ومن شروط القبول بعد الإخلاص، الاتباع هو موافقة الكتاب والسنة: فقد يكون العمل صادرًا من عبد مسلم ومتوجهًا بكليته إلى الله مخلصًا فيه لوجهه تعالى، لكن العمل في ذاته ليس صوابًا، مخالفًا لسنة المصطفى ﷺ فإنه بذلك قد لا يُتقبل من صاحبه، ولا يُرفع إلى الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: ١٥٧] مما يدل على أن القبول موقوف على الاتباع. وفي الخبر: عن العرباض ابن سارية (^١) ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقيل: يارسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ
_________________
(١) العرباض هو أبو نجيح السلمي ﵁، صحابي جليل، كان من أهل الصفة، سكن الشام وتوفي بها سنة ٧٥ في خلافة عبد الملك بن مروان، ينظر الثقات لابن حبان (٣/ ٢٦٩)، والاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ١٢٣٨).
[ ٥١ ]
الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (^١). وكان ﵊ يصدّر خُطَبه بالتحذير من البدع كقوله: (وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) (^٢) وعن عائشة ﵃ قالت: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ) (^٣).
ويحسُن في هذا المقام تقسيم الضلالة إلى ثلاث فئات مع كون جميعها نابعة من الجهل واتباع الهوى:
أ - ضلالة منشؤها الفرق المنحرفة: كالجهمية وغلاة الصوفية والأباضية والرافضة وغيرهم ومما شاع بين كثير من البسطاء نقلًا عنهم ادعاء الإلهام والوحي المزعوم للأولياء، وما يصاحب إقامة الموالد من ضلالات ومنها ما يسمونه بـ (الحضرة) (^٤) والغلوّ في مدح الرسول ﷺ والتعبد لله بمصاحبة الألحان والأشعار والرقص والطبول ونحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن (٤/ ٢٠٠/ ح ٤٦٠٧)، وأخرج نحوه البيهقي في شعب الإيمان (١٠/ ٢٠/ ح ٧١٠٩)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٦٤/ ح ٢٣٠٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
(٢) أخرجه النسائي في السنن (٣/ ١٨٨/ ح ١٥٧٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٤٣/ ح ١٧٨٥)، وصححه الألباني في صحيح النسائي.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، (٣/ ١٨٤/ ح ٢٦٩٧).
(٤) وهي ادّعاء حضور الرسول ﷺ فيقفون مهابة وخشوعًا وما إلى ذلك من أباطيل وضلالات.
[ ٥٢ ]
ب-ضلالة منشؤها الجهل بالدين: كمن يصلي الظهر خمساَ والمغرب أربعًا، أو تكون صلاته ناقصة مبتورة، منقوصة الشروط والأركان. وقد قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ) (^١).
هذا بالإضافة إلى المعتقدات الشركيّة الخاطئة المنتشرة بين الناس من التمسح بالقبور لاعتقاد
نفعها، أو الاعتقاد بأن بعض الأفعال تجلب الحظ، أو ترزق الولد، أو لُبس خرزات معيّنة للوقاية من العين، وما شابه ذلك من جهالات.
وقد أفصح ابن القيم ﵀ عن انتشار هذه العوائق من شركيات وبدع ومخالفات وعادات جاهلية باطلة في زمنه فكيف بها وقد تفاقمت وزاد أوارها في هذا العصر فقال: " عمّ بهَا الْمُصَاب وهجر لأَجلهَا السّنة وَالْكتاب من استنصر بهَا فَهُوَ عِنْد الله مخذول وَمن اقْتدى بهَا دون كتاب الله وَسنة رَسُوله فَهُوَ عِنْد الله غير مَقْبُول" (^٢).
_________________
(١) أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٩٩/ ح ٧٥٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٢٥٧/ ح ٢٩٦٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٥٢٩.
(٢) الفوائد (١/ ١٥٤).
[ ٥٣ ]
ج - ضلالة منشؤها العلوم الحديثة الوافدة: التي دخلت بلاد المسلمين في ظل أحداث العصر الحديث ومشكلاته التي جثمت على القلوب فأسقمتها، وأضعفت صمود كثير من الناس أمام معترك الحياة، فأفرزت بطالة وقلقًا وأدواءً شتى وبات الناس يتلهفون لأي شاردة أو واردة تخرجهم مما هم فيه بعد بعدهم عن النهج الأقوم، فوقع البعض كالفريسة تتصيدها العوافي، وتفتك بها الأوهام. وفي ظل تلك الظروف وما تموج به بلاد المسلمين من فتن وفرَق، ومع استشراء آفة الجهل بالدين، ظهرت تلك العلوم محمّلة بطقوس غريبة من الشرق والغرب، لتكفكِف الدموع المحزونة، والصيحات الملهوفة، والهموم المتراكمة، ومن ذلك الادعاء بقوة العقل الباطن، والقدرة على التغيير في القدَر والتحكّم في أمور المستقبل وغير ذلك مما سبق الإشارة إليه في المطلب الأول من سمات المقبولين (^١).
* * * *
_________________
(١) ينظر أصول الإيمان بالغيب وآثاره للدكتور فوز كردي ص: ٤٣٦. وانظر سمات المقبولين من هذا البحث ص: ٨٤
[ ٥٤ ]