ومن علامات القبول أن تتبع الحسنة أختها، والحرص على العمل الصالح، ومحبة التقرّب إلى الله بالاستكثار من الحسنات، فترى العبد يستلذّ الطاعة، ويجد نفسه مشغولًا بها، شغوفًا بالاغتراف من بحارها، متحريًا من الأعمال ما يعظّمها، متمرسًا ماهرًا في طرق اكتسابها، واضعًا نُصب عينيه الإخلاص ثم التنويع والإكثار والإحسان.
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (١٩/ ١٩٤)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٥١).
[ ٩٤ ]
وقد قيل: "الطَّاعَات عَلَامَات الثَّوَاب لَا عللًا لها" (^١). فترادف الطاعات، وتتابع أعمال الخير من النوافل بعد الفرائض، علامة من علامات القبول، وفي الحديث: (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) (^٢). فإذا رأى العبد نفسه تحبّ الخير، وتحرص على فعل الصالحات، وأعمال البرّ، ورأى حواسه مسخّرة للخير فلا تستمع أذنه إلاّ إلى ما يرضي الله، ولا تنظر عينه إلا إلى ما أحله الله، وكذا سائر حواسه وله همة على الازدياد من الطاعات، فإن ذلك ولا ريب علامة توفيق، وعلامة اجتباء واصطفاء. أما من قلّت طاعاته، وثقلت نفسه إلى الأرض فاتجه إلى محابّه وشهواته فإنها لعمر الله علامة بُعد وإقصاء، قال النبي ﵊: (إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) ثم تلا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (^٣). قال العلماء: علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، فعلامة قبول صوم رمضان أن يخرج العبد منه عازمًا على مداومة الطاعة، مشمرًا لها، وعلامة قبول الحج
_________________
(١) أصول الدين للغزنوي (١/ ١٧٤).
(٢) جزء من حديث في صحيح البخاري، (٨/ ١٠٥/ ح ٦٥٠٢).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، (٢٨/ ٥٤٧/ ح ١٧٣١١) وقال الارناؤوط "حديث حسن وهذا إسناد ضعيف لضعف رشد بن سعد، وباقي رجال الإسناد ثقات".
[ ٩٥ ]
أن يكون حاله بعد أدائه خيرًا مما كان عليه قبله. فهمّته في علوّ، وصدره في انشراح، وعمله متّجه إلى طريق الفلاح. وعلامة قبول التوبة أن لا يعود إلى الذنب، ويبغضه، وأن يترك مجالسة أهل المعاصي، وقرناء السوء.
فإذا أحب الله العبد وتقبّله حبب إليه الطاعة، وبغّض إليه المعصية، ووفقه للعمل الصالح تلو الآخر وسخّر الملائكة تؤزّه أزًا عليه قال ابن القيم ﵀: " ولايزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويُحبّها، ويُؤثرها حتى يُرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها أزًّا، وتحرّضه عليها، وتُزعجه عن فراشه ومجلسه إليها. ولا يزال يألف المعاصي، ويحبّها، ويؤثرها، حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا. " (^١).
وفي الخبر قال الرسول ﷺ: (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَسَلَهُ)، قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: (يَفْتَحُ اللهُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ) (^٢).
فما أعظم أن يجعل المؤمن العمل الصالح سجيّته، وأن يترفّع عن سفاسف الأمور إلى معاليها، ففي
_________________
(١) الجواب الكافي ص: ١٤٠.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٩/ ٣٢٣/ ح ١٧٧٨٤)، وأخرج نحوه ابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٤/ ح ٣٤٢)، وأخرجه الترمذي بلفظ (استعمله) (٤/ ١٨/ ح ٢١٤٢). وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة وقال: "صحيح على شرط مسلم" (٥٦١/ ح ١١١٤).
[ ٩٦ ]
ذلك النفع والصلاح والسعادة الحقّة، بل هي سعادة مركّبة; يُسعد نفسه، ويُرضي ربه، ويُسعد غيره. وهو عملٌ يَربو نفعه ويعود على صاحبه بالخير إلى يوم القيامة ثم يجد ثوابه نعيمًا دائمًا غير مجذوذ.
* * * *