الشكر: نقيضُ الكُفرِ، وهو الثناء على المحسِن قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
قال ابن القيم عن الشكر " هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة " (^١).
والشكر مقام أسمى من مقام الرضا، فهو ثمرة الرضا، فلا شكر بدون رضا. والشكر أخصّ فليس كل راضٍ شاكر فالشكر أعلى، وكل شاكرٍ راضٍ (^٢).
وشكر الخالق سبحانه يتضمّن خمس قواعد:
١ - محبته: فمن مقتضيات الشكر تقديم محبة المنعم على كل نعمة، محبة يجد أثرها في انشراح الصدر، والاطمئنان إليه، وطيب الحياة به.
٢ - الخضوع له، والتسليم لأمره، والرضا بقدره.
٣ - الاعتراف بنعمته، والتجرد من الحول والقوة إلا به كما في الحديث: (وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).
(٢) ينظر مدارج السالكين (٢/ ١٨١).
(٣) ينظر الحديث بتمامه في صحيح البخاري، (٨/ ٦٧/ ح ٦٣٠٦).
[ ٨٨ ]
٤ - دوام الثناء عليه، وحمده واللهج بذكره بالجنان واللسان والجوارح.
٥ - وألا يستعملها فيما يكره (^١).
ومن شُكر الله على توفيقه للحسنة أن يأتي العبد بأخرى، وهلمّ جرا، فإن ترادُف الحسنات دليل الشكر المتبادل; فمن الله التوفيق والسداد، ومن العبد العمل باجتهاد، وبهذا يكون الشكر في تقدّم وازدياد، قال الشاعر محمود الورّاق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليّ له بمثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمر
ومن أعظم ما يدنو به العبد إلى تحقيق درجة الشكر هو التوجه إلى الله بالكلية قدر المستطاع عند بلوغ سن الأربعين وهو ما نستنبطه من قوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).
[ ٨٩ ]
عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦].
وبصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الآية قد نزلت في أبي بكر الصديق ﵃ أو في غيره خاصة، كما تذكر التفاسير، فإن لها دلالة عامة، وبالغوص في أعماق هذه الوصاة القيّمة من لدن حكيم خبير، يمكن أن يُستنبط بعضًا من جواهرها، فالآية تتضمن أن التوجّه إلى الله بالكليّة بعد سنّ الأربعين من أعلى مقامات الشكر. فسن الأربعين هو زمن استكمال القوة العقلية، حيث يكون الفرد قبل ذلك ملتهيًا في متطلبات الحياة، جاهدًا في تحصيل مال أو علم أو اكتساب عمل، وعند بلوغه سن الأربعين يشعر بالتقصير في جنب الله، فيتوجّه فيما تبقّى من عمره إلى تحصيل آخرته، لاهجًا بالشكر والثناء على من أنعم عليه وعلى والديه لأنه امتدادٌ لهما، ويصلح له ذريته الذين هم امتداد له، وأن يستعملهم جميعًا في طاعته.
وإذا افتُرض جدلًا أن عمر الإنسان يتراوح بين الستين والسبعين (^١)، فإنه في سنّ الأربعين يكون قد تجاوز الثلثين من عمره، ولم يتبق له من العمر إلا الثلث، الذي هو أوج تكوينه العقلي والمالي والنفسيّ، فيحسن عندئذٍ التوجه بهذا الثلث إلى ربه شاكرًا حامدًا عابدًا سائلا إياه أن
_________________
(١) إشارة إلى حديث: (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ) وهو في سنن ابن ماجة، (٥/ ٣١١/ ح ٤٢٣٦)، وسنن الترمذي، (٥/ ٥٥٣/ ح ٣٥٥٠) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
[ ٩٠ ]
يتم نعمته عليه وعلى والديه وذريته، وقد كان ديدن السلف الصالح التفرغ للعبادة عند بلوغ الأربعين (^١)، متوجهين بما بقي من مال وعلم وموارد بدنية إلى اكتساب الحسنات، وسائر العمل الصالح، وذلك قبل أن تُفتح الدنيا، ويتعلق الناس بالفاني عن الباقي.
وتخصيص ثلث العمر الباقي في الطاعة ليس بدعًا من القول، فقد ورد في السنة فضل الثلث الأخير من الليل، والعشر الأواخر من رمضان وهي ثلث الشهر، وعشر من ذي الحجة وهي ثلث الشهر كذلك، وكان رسول الله ﷺ يقوم أحيانًا ثلث الليل، وورد فضل التصدق بالثلث، وغير ذلك مما يدل على أفضلية التوجه بثلث موارد العبد لربه، حيث لم يُحَدد سنّ الأربعين هكذا اتفاقًا وحاشا لله فهو الثلث الأخير من العمر الذي يمثل قمّة التكوين العقلي والمالي والنفسي كما سلف القول. ومما يؤسف له، أن كثيرًا ممن يبلغ تلك المرحلة العمرية اليوم يزداد نهمه في الحياة، ويتوجه بكلكله إلى دنياه، استثمارًا للمزيد والمزيد في تحصيل المال والجاه، وذلك ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ أَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) (^٢). فمن
_________________
(١) ينظر شرح رياض الصالحين للعثيمين (٢/ ١٣٨).
(٢) أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ٥٨٨/ ح ٢٣٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى، (١٠/ ٣٨٦/ ح ١١٧٩٦)، وأحمد في المسند، (٢٥/ ٦٢/ ح ١٥٧٨٤)، والدارمي في السنن، (٣/ ١٧٩٥/ ح ٢٧٧٢) وقال الألباني: " صحيح" في صحيح الترمذي (٢٣٧٦ ح).
[ ٩١ ]
موجبات القبول شكر الله تعالى ومن أفضل الشكر التوجّه إليه بالكلية بعد الاكتفاء من مطالب الدنيا، ليُحرز بذلك وعد الله تعالى بقبول أفضل عمله والتجاوز عن سيئاته كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ولنا أن نتخيل كيف يكون فرح الطالب إذا قيّمه أستاذه على مواد التفوّق التي أحسن فيها وأحرز درجات الامتياز، وغضّ الطرف عن الجيد والمقبول والراسب. ولله المثل الأعلى فهذه الآية فيها دلالة على النيل بنصيب وافر من الشكر، وفيها وعدٌ منه تعالى لمن حققها بقبول أحسن العمل وأفضله والله أعلم.
* * * *
[ ٩٢ ]