لم يثبت في ورود ما يخص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بالذكر في القرآن ولكن موافقة الله له في بعض ما أنزِله من القرآن يدعونا للنظر في سيرة هذا الرجل الفذّ، قَالَ ﵁ وأرضاه: "وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ … الآيَةَ" (^١). فلم يوافقه ربّه إلا لأنه مُسدّد منه، وملهِمٌ له، ذو بصيرة ثاقبة، وقلب تغلغل في شغافه الإيمان، فقد كان أول من جهر بالإسلام، فكان صادق النية صافيَ الطوية. فالآية الأولى تبُرز حُبّه للعبادة والصلاة بخاصة، والآية الثانية تبين غَيرته على نساء النبي ﷺ وابتداره للشرّ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، (٦/ ٢٠/ ح ٤٤٨٣).
[ ١٨٥ ]
قبل وقوعه، والثالثة تكشف عن مقدار حبه وما يكنه لرسول الله الذي آلمه ما يحدث له في بعض بيوته فهرع للإصلاح. فلعمر الله كلّ صفة من هذه الصفات تقارع أُختها، فكلها محبوبة من الله مُقّرب صاحبها (^١).
وعمر بن الخطاب هو الذي قَالَ فيه رَسول اللَّهِ ﷺ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) (^٢).
رجلٌ قوي، عظيم النخوة والغيرة على الدين قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود ﵁: (مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ) (^٣) والله تعالى يحب الرجل القوي الإيمان وعمر هو ذلك الرجل، ذو عزيمة في أمر الآخرة، أكثر إقدامًا على الجهاد وأسرع خروجًا في طلبه، وأشد إصرارًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكثر صلابةً وصبرًا في ذات الله، وأرغب وأنشط في الصلاة والصوم وسائر العبادات، وفي ذلك قال الرسول ﷺ: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) (^٤).
_________________
(١) ينظر صفة الصفوة لابن الجوزي (١/ ١٠٤)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص: ٩٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٢٦/ ح ٣٢٩٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ١١/ ح ٣٦٨٤).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٥٢/ ح ٢٦٦٤).
[ ١٨٦ ]
وقال فيه النَّبِيَّ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ) (^١).
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ، فَقَالُوا فِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَّا نَزَلَ القرآن على نحو مما قال عمر (^٢).
ثم هو طراز فذّ تفهم سرّه فإذا هو على وفاق مع جهره، لا تناقض في خلائقه، من صفاته الشهيرة العدل حيث سوّى بينه وبين سائر الرعية، حتى سمي بالفاروق، والغيرة والفطنة حتى بلغ مبلغ البطولة النادرة (^٣). ومما يدل على صفاء سريرته شهادة الصحابة له، فلما مرض أبو بكر الصديق دعا عبد الرحمن بن عوف ﵁ فسأله عن عمر فَقَال عبد الرحمن: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ، ثُمَّ سأل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: اللَّهمّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ، وَأَنْ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ! (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السنن (٦/ ٥٨/ ح ٣٦٨٢)، وابن حبان في صحيحه، ذكر الخبر المصرح بأن هذا القول إنما زجر عنه (١٥/ ٣١٨/ ح ٦٨٩٥)، وروى نحوه أبو داود في السنن (٤/ ٥٧٩/ ح ٢٩٦١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
(٢) سبق تخريجه (٦/ ٥٨/ ح ٣٦٨٢).
(٣) ينظر عبقرية عمر للعقاد ص: ٢٨ - ٢٩.
(٤) ينظر أسد الغابة (٣/ ٦٤٧).
[ ١٨٧ ]
مما سبق يظهر أبرز ما يميز عمر ﵁ من سمات القبول التي هي:
١ - القوة في الدين.
٢ - العدل وعدم المحاباة حتى سمي بالفاروق.
٣ - النخوة والغيرة على العرض والدين.
٤ - البطولة والشجاعة في الحق.
٥ - الوضوح فسريرته تكاد تفصح عن نفسها، وما هلك من هلك إلا بما تُكِنُّه الضمائر من خبث النوايا، وسوء الخبايا، وسواد الباطن، وما تواريه النفوس من صدأ المعادن. ولعل من ينظر إلى كل خُلّة من خلال عمر الجليلة (القوة في الدين، العدل، النخوة، صفاء السريرة) يقول لعل هذه التي بلغت به فرضي الله عنه وأرضاه.
* * * *
[ ١٨٨ ]