طيّب الله المؤمن ظاهرًا بالوضوء والغسل، وطهره باطنًا بالطيّب الحلال ينمو منه لحمه وأعضاؤه ليكون أهلا لعبادة الملك القدوس، فماله حلال، وطعامه حلال، وشرابه حلال، إذ كيف يقف بين يدي ربه دنس الطينة، خبيث العطن، فالله تعالى طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا قال النبي ﷺ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (٢/ ٤٦٤)
[ ٦٠ ]
١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (^١) قال ابن دقيق العيد (^٢) في شرح قوله: (أشعث أغبر) أي: "يطيل السفر في وجوه الطاعات: الحج والجهاد وغير ذلك من وجوه البر ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حرامًا فكيف بمن هو منهمك في الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير" (^٣).
فينبغي للمؤمن طلب الحلال في سماحة ورفق، وترك الحرام في زهدٍ وأنفَه، إيمانًا واحتسابًا للحصول على القبول والثواب.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٨٧ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، (٢/ ٧٠٣/ ح ١٠١٥).
(٢) هو الإمام العلامة مُحَمَّد بن عَليّ بن وهب بن مُطِيع أبو الفتح ابْن دَقِيق الْعِيد الْقشيرِي المنفلوطي الْمصْرِيّ الْمَالِكِي، أحد كبار علماء زمانه، له تصانيف مشهورة ولد بالحجاز ونشأ بمصر واشتغل بمذهب الإمام مالك ثم الشافعي ﵀ اشتهر بالعلم والورع والزهد، توفي سنة ثلاث وسبع مائة بالقاهرة. ينظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٤٢)، وطبقات الشافعية ص: ٩٥٢.
(٣) شرح الاربعين النووية لابن دقيق العيد ص: ٥٩.
[ ٦١ ]
مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. فمن موجبات قبول العمل التي يحرص الشرع على بيانها للارتقاء بالإنسان، وتطهيره ماديًا ومعنويًا، وإعداده ليكون طيب الروح طيب الجسد، تحرّي الرزق الحلال بأنواعه من مأكل ومشرب ومنكح ومسكن .. إلخ والبعد عن الحرام. ومن مقتضيات رحمة الله بعباده أن هيأ لهم أسباب القرب منه. وللكسب الطيب علاقة بالإخلاص، ففيه خلوصٌ للجسد من خبَث الحرام، ليكون الطُهر والنقاء قد عمّ دين العبد وقلبه وبدنه فلا يبقى فيه خبث ولا يشوبه دنس. ويكون عند ذلك نفسًا طيبة، تُشرع لها أبواب القبول بإذن الله. وفي الصحيح قال رسول الله ﷺ: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ) (^١).
والرزق الحلال يطهّر الجسد ويضفي على الروح إشراقة الطهر، ويهيئ صاحبه للقرب من الملك القدوس، ويمنحه الفرصة بالفوز بمحبته فإن الله تعالى هو القدوس والطاهر في ذاته وصفاته، لا يقبل إلا الطيب النقي .. فمن تحرى الطيّب من الرزق طابت ذاته، وطابت بعد ذلك دنياه وآخرته.
وتفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] هو الحلال الذي أباحه
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٥١١/ ح ١٣٤٤)، وروى نحوه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (٢/ ٧٠٢١٠١٤/).
[ ٦٢ ]
الله وهو الذي تحصل من تناوله على طِيبة القلب فإنَّ أَكْلَ الحرام يُوجِبُ قسوته ووحشته، وضياءُ القلوب متصلٌ بصَوْن النفس عن تناول الحرام والشبهات (^١).
والحرام تربة خبيثة فكيف لوعاء دنّسه الحرام أن يحمل النور والإيمان وهدي خير الأنام .. إنه غير مؤهل لذلك. فإذا نبت منه الجسد خبُث معدنه وأظلم قلبه، واستمرأت ذاته فعل الحرام وهانت عليها صغائر الذنوب وكبارها وقسى قلبه وكانت النار أولى به كما في الخبر النبويّ: (إنه لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) (^٢).
وكما في أنواع العبادات كلها أو أكثرها فإن تحريّ الحلال والورع فيه درجات يتفاوت الناس فيها أشدّ التفاوت بحسب تعظيمهم للآمر سبحانه وبحسب جذْبة الشهوة وإغرائها من حولهم، وإنما يكون انجذابهم لتلك الشهوات بقدر ما في قلوبهم من علمٍ بالله تعالى وتعظيمٍ له، ويقينٍ بما عنده. فانظر إلى حرص أبي بكر الصديق ﵁ أن لا يدخل جوفه ذرّة من حرام تورّعًا، فلما أكل من طعام
_________________
(١) ينظر تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) (١/ ٣٥٤)، وتفسير القشيري (لطائف الإشارات) (١/ ٤٠٣)، والتفسير الوسيط للقرآن الكريم (٢/ ١٠١٦).
(٢) أخرجه أحمد في المسند، (٢٢/ ٣٣٢/ ح ١٤٤٤١)، وقال شعيب الأرناؤوط في مسند أحمد: " إسناده قوي على شرط مسلم".
[ ٦٣ ]
قيل له أنه من مال الكهانة أدخل إصبعه في حلقهِ فاستقاءه حرصًا على طهارة بدنه وتنقيته من الخبَث (^١).
وشرب عمر بن الخطاب ﵁ لبنًا أعجبه فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: (مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟) فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ، قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا له مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلهُ فِي سِقَائِه فهو هَذَا اللبن، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يده، فَاسْتَقَاءَهُ (^٢).
وقد أعلن الله تعالى الحرب على آكل الربا، وأغلظ التهديد والعقوبة مما يبين بُعده عن موجبات السلامة الأخروية والدنيوية قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] كما شنع على الذين يأكلون أموال اليتامى وبالغ في الوعيد بقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
_________________
(١) والأثر هو: (كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلَامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) أخرجه البخاري في صحيحه، (٥/ ٤٣/ ح ٣٨٤٢).
(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ٢٦٩/ ح ٣١)، وشرح السنة للبغوي، (٦/ ٩١).
[ ٦٤ ]
فتحريّ الحلال يقتضي اتقاء الشبهات والبعد عن الحرام. ويبعد المؤمنين من أسباب سخط الله ويقربهم من رضاه (^١) وما أكثر من استهان اليوم بالحرام فولجه من أوسع أبوابه من أكل للربا، وأكل مال اليتيم، وأكل أموال الناس بالباطل بالغش والاحتيال والنهب والقائمة تطول والله المستعان.
* * * *