قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] تذكر التفاسير أن ذا القرنين كان ملكًا صالحًا، وعبدًا مسلمًا، طاف البلاد، وجاب الأرض يدعو إلى الإسلام، ويقيم العدل ويعامل الناس بالإحسان، ويصلح البلاد وينفي الفساد وقال سفيان الثوري: " بَلَغَنِي أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا أَرْبَعَةٌ مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ ﵇ وَذُو الْقَرْنَيْنِ وَنُمْرُودُ وَبُخْتَنَصَّرُ " (^١).
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر، (٦/ ٣٨٥). وروى نحوه الحاكم في المستدرك موقوفا على معاوية ﵁ قال: (مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَذُو الْقَرْنَيْنِ وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حُلْوَانَ وَرَجُلٌ آخَرُ) وسكت عنه الذهبي في التلخيص (٢/ ٦٤٥/ ح ٤١٤٣)، وروى نحوه ابن أبي شيبه عن مجاهد (٦/ ٣٤٦/ ح ٣١٩١٦). والنقاش في فنون العجائب موقوفا على ابن عباس (١/ ١٠٩/ ٨٨).
[ ١٧٤ ]
وقيل عنه إنه: " إنما أُعْطِيَ مَا أُعْطِيَ بأربع خصال كَانَ فيه: كَانَ إِذَا قدَر عفا، وَإِذَا وعد وفى، وَإِذَا حدّث صدق، ولا يجمع اليوم لغد" (^١).
وثمة لطائف تُفصح عن نفسها عند التمعن في قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]. فقد ورد لفظ ﴿رَبِّي﴾ في هذه الآية القليلة الحروف العظيمة المعاني ثلاث مرات مما يُشعر بأن ذا القرنين كان شديد التوكل على الله والتعلق به، والمحبة له، والوثوق بما عنده أكثر مما هو بين يديه مما سخره الله له، وهذه الخُلة الجليلة من أعظم ما يحب الله في العبد، أن لا يغتر بما آتاه، أو ينظر إلى ما لديه نظرة عُجب واستعظام وهو الذي ملك الأرض مشارقها ومغاربها في زمانه، وفي قوله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ تتجلى صفة الاعتراف بنعم الله وفضله التي ينكرها كثير من طغاة الأرض إذا مكّن الله لهم.
وفي قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كمال التسليم واليقين والاعتراف بالضعف أمام قوة ذي العزة والجبروت القاهر فوق عباده.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٧ - ٢٣٨٢)، والدر المأثور (٥/ ٤٣٩).
[ ١٧٥ ]
- فكان من مجموع صفات ذي القرنين وأعماله التي ربما كانت سببًا في نيل شرف القبول عند الله:
١ - أنه نشر دين الله في الأرض فقد كان على الإسلام وهي الحنيفية ملّة إبراهيم ﵇.
٢ - أقام سلطان الله في الأرض بالعدل والقسط.
٣ - أعان المظلوم وقاتل الظالم.
٤ - أصلح الله به البلاد والعباد.
٥ - بالإضافة إلى أنه شديد التوكل على الله.
٦ - والاعتراف لله بالفضل مع الاعتراف بالضعف والتسليم له.
* * * *
[ ١٧٦ ]