إن من يستقرئ آيات الذكر الحكيم يجد أن قبول المحبة لا يتحصّل بمجرّد الدخول في الإسلام، حيث لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة أن الله تعالى يحب المسلمين، بالإسلام المجرد عن الاتباع كإسلام الأعراب (^١)، فقد جعل الله تعالى شرط محبته اتباع رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد ابتدأت درجات تحصيل شرف محبته ﷿ بدءًا من الإيمان المقرون بالعمل وفي هذا المعنى قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] فمن ثمراته نيل محبة الله وجمع قلوب المؤمنين على محبته قال الطبري: " يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى خَلْقِهِ " (^٢)، وضعف الإيمان والعمل الصالح يقود لضعف المحبة وهو ما بينه قول النبي ﷺ: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) (^٣) فكلما قوّى العبد إيمانه بالعمل الصالح أحبه الله، وكيف
_________________
(١) ينظر جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٢٥٨).
(٢) تفسير الطبري (١٥/ ٦٤٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٥٢/ ح ٢٦٦٤).
[ ٢١٦ ]
يحب الله من هو معرض عن محابّه، مبارز له، سادر في مساخطه، وكيف يعذب الله بالنار من يحب؟!
لذا فقد قَرن الله تعالى محبته للعبد بأعمال مخصوصة تمحّص درجة المؤمن وترفعه، وتحقق المزيد من محبة الله له، وبناء على الآية السابقة يظهر أن أمة الاتباع هي المحبوبة ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وتتفاوت المحبة بحسب ذلك الاتباع، حتى يصل العبد للمحبة الخاصة (^١) التي ذكرها الرسول ﷺ في قوله: (… وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ (^٢) حَتَّى أُحِبَّهُ) (^٣). وقد عدد الله تعالى في القرآن الكريم فئاتًا من المؤمنين اتصفوا بصفات تعلو بدرجة إيمانهم وتستلزم محبة الله لهم وقبوله الخاص، وتتفاوت المحبة في درجتها وخصوصيتها بحسب قوة العبد في تحقيق تلك الصفة ومن تلك الفئات:
_________________
(١) ينظر أثر الإيمان في تحصين الأمة لعبد الله الجربوع، (١/ ٢١٢)، والتوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص: ٩٣.
(٢) وللفائدة فقد فصل ابن تيمية في شرح التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فذكر أن التقرب بالنوافل يتفاوت من عبد لآخر بحسب مواردة وطاقته فقال: " فَإِنَّ كُلَّ تَنَوُّعٍ [من أنواع العبادة] يَقَعُ فِي الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمُسْتَحَبِّ وَيَزْدَادُ الْمُسْتَحَبُّ بِأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ إنَّمَا يَسْتَحِبُّ لَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَفْعَلُهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَالْأَفْضَلُ لَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ وَهَذَا يَتَنَوَّعُ تَنَوُّعًا عَظِيمًا فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ يَكُونُ الْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ مَا لَيْسَ هُوَ الْأَفْضَلَ مُطْلَقًا؛ إذْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَقَدْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ بَلْ قَدْ يَتَضَرَّرُونَ إذَا طَلَبُوهُ مِثْلَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ فَهْمُ الْعِلْمِ الدَّقِيقِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُفْسِدُ عَقْلَهُ وَدِينَهُ …) ينظر المزيد في مجموع الفتاوى (١٩/ ١١٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٠٥/ ح ٦٥٠٢).
[ ٢١٧ ]
- فئة المحسنين، قال تعالى: ﴿فَئَاتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]
والإحسان على وجهين:
أَحَدُهما: الإحسان بمزيد فعل الطاعات.
وَالثَّانِي: إِحْسانٌ فِي الفعل نفسه.
والإحسان هو أعلى مراتب الدين، وتعريفه كما قال الرسول ﷺ حينما أتاه جبريل ﵇ يسأله فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (^١).
وحقيقته هي عبادة الله تعالى عبادة تقوم على اليقين التام بالحقائق الغيبية، واستحضار عظمة الخالق حال العبادة، واستحضار جنته وناره، مما يدعوه إلى تحسينها وبذل الجهد في إتمامها على أكمل وجه، فالذين أحسنوا العمل وعدهم الله بأحسن الجزاء وأكمله.
وإذا أتى العبد بأوامر الله على الوجه الذي شرعه الله وأحبه كانت محبة الله للعبد أتم وأكمل، وقبوله وثوابه على عمله أفضل وأحسن.
_________________
(١) جزء من حديث في صحيح البخاري (١/ ١٩/ ح ٥٠)، وأخرج نحوه مسلم، (١/ ٣٩/ ح ٩).
[ ٢١٨ ]
وفي منزلة الإحسان ذكر ابن القيم ﵀ أن الإحسان لب الإيمان وروحه وكماله. وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل (^١). وقال في شرح حديث الإحسان: هو كمال الحضور مع الله ﷿ ومراقبته الجامعة لخشيته، ومحبته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان. (^٢) وقد يحسن العبد في عمل ويسيء في آخر فيحب الله في العبد المؤمن ذلك العمل الذي أحسن فيه، ولا يزال العبد يخوض في محاب الله حتى يوفقه بسبب ذلك إلى ما فيه استكمال محبته له.
فالإحسان أنواع من أتى بها مجتمعة فقد استكمل الإحسان (^٣):
الأول: الإحسان في القصد: فلا يشوب القصد والنية ما يشوبه من حظوظ الدنيا.
ومن القصد أن يجعل وجهته وقصده إلى الله أبدًا، فهي هجرة إلى الله بالإخلاص والحب والخوف والرجاء والعبودية لا يتخلف عنها مهما كانت العوائق حتى يلحق بالله عزو جل. وهجرة إلى رسوله ﷺ بالتحكيم والتفويض والتسليم والانقياد.
الثاني: القوة في اليقين: وهي من الإحسان فهي الجذوة التي تشعل الإمضاء والعزم فهو عزم
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (٢/ ٤٢٩).
(٢) ينظر مدارج السالكين (٢/ ٤٢٩).
(٣) ينظر مدارج السالكين (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠)، وتفسير المنار (٥/ ٨١)، وتفسير السعدي ص: ٩٠، ومختصر منهاج القاصدين ص: ٨٥.
[ ٢١٩ ]
لا يصحبه فتور، وإمضاء لا تثنيه فتن وشرور، ويصدّقها قوله ﵊: (المؤمنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْر) (^١).
الثالث: الإحسان في العبادات: وهو أن يستحضر قلبه في الصلاة والنوافل وجميع القربات ويستجلب الخشوع لله، والخضوع له سبحانه.
الرابع: الإحسان في الأوقات: وهو أن يستثمر أوقاته في طلب ما خُلق له، فلا يصرفه صارف الدنيا وشهواتها، أو الفتن ومحدثاتها، عن هجرته وقصده.
الخامس: الإحسان في الأحوال: وهو أن يستر ما وهبه الله عن الناس ما أمكن فلا يظهره إلا لمصلحة راجحة حماية له من آفات الحسد والغيرة وحظوظ النفس من كبر واغترار.
السادس: الإحسان في الأخلاق: وهو التواضع وعدم الترفّع وأن يخالق الناس بخلق حسن كما في الحديث (^٢) بدءًا ببر الوالدين وصلة الأرحام وانتهاءً بالإحسان في معاملة الخادم والإحسان إلى من أساء.
_________________
(١) جزء من حديث في صحيح مسلم، كتاب الفضائل (٤/ ٢٠٥٢/ ح ٢٦٦٤).
(٢) قوله ﵊:) اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ (أخرجه الترمذي (٤/ ٣٥٥/ ح ١٩٨٧)، وأخرجه أحمد في المسند، (٣٥/ ٣١٨/ ح ٢١٤٠٣) والدارمي في السنن (٣/ ١٨٣٧/ ح ٢٨٣٣) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
[ ٢٢٠ ]
السابع: الإحسان في المعاملات: في البيوع والتجارة والقضاء والعقود وسائر الأمور تصديقًا لقوله ﷺ: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) (^١).
ويكون الإحسان بالقصد والقول والفعل والترك: بالقصد أي بعقد النية على فعل الخير والإحسان فيه، وبالقول السديد والقول المناسب الرشيد، فلكل مقام مقال، والفعل هو فعل كل ما يحبه الله ويرضاه، والترك بترك جميع ما يغضب الله. والإنسان مأمور أن يتحرى الإحسان في الأمور كلها قال تعالى: ﴿وَّأَحْسَنُوا إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فالآية مطلقة تعمّ جميع أنواع الإحسان.
* * * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٥٧/ ح ٢٠٧٦).
[ ٢٢١ ]