قال الباري عزوجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٢ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٣ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
نهج القرآن الكريم على بيان سمات المقبولين في أسلوب بارع مشوّق فهو ينتقل من أسلوب الأمر إلى الإنشاء إلى الأسلوب التصويري التخيلي الداعي إلى التفكّر ومن ثم الاتباع والاقتداء.
ومن معالم الشخصية المؤمنة التي حظيت بالقبول عند خالقها هي الشخصية المتصفة بوجل القلب ورقته عند سماع ما يدعو لذلك. فالقلب الوجِل تُثار أشواقه وتتفطر تُربته عند استشعار
_________________
(١) ينظر تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧٦٦)، وتفسير البغوي (٢/ ١٠٧).
[ ٢٠١ ]
عظمة خالقه، أو عند تخيّل المآل إما عن الجنة شوقًا ورجاء وإما عن النار خوفًا ووجلًا.
هذه الشخصية يجتمع فيها الحب لخالقها وتعظيمه واللجأ إليه، والخوف منه والفرار إليه، تقدم الطاعة والعمل مصحوبًا بالإشفاق والخوف. والإشفاق هو أن يكون العمل مقرونًا بالحذر. وبالنظر في آيات الإشفاق تظهر أسبابه ومنها:
١ - الإشفاق ورهبة الموقف بين يدي الخالق العظيم مع قلة الزاد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧].
الإشفاق من أهوال يوم الحساب وشدّته قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩].
الإشفاق والخوف من مكر الله الذي بيده متقَلّب القلوب والأبصار أن يكلهم إلى أنفسهم فتنقلب حالهم من الثبات على الطاعة إلى الانجراف وراء الفتن والمغريات مما يعرضهم لسخط الله عاجلًا، وعقابه آجلًا وفي ذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧] وزاد ابن القيم ﵀ في منزلة الإشفاق ما مفهومه:
٢ - إشفاق على الخلق لمعرفة معاذيرهم وما هم صائرون إليه من مخالفة الأوامر والمناهي وملاحظة جريان القدر عليهم.
[ ٢٠٢ ]
٣ - إشفاق على الوقت أن يشوبه تشتت أو صارف يصرفه عن الخالق من شهوة أو شبهة.
٤ - إشفاق على اليقين المتمكن في القلب أن تخالطه الأسباب فيركن إليها ويتعلّق بها ونسيان المسبب.
إشفاق يصون عمله من الضياع أن يشوبه شرك أو معاصٍ محبطة، ويصون سعيه عن العجب ورؤية العمل مما يفسده ويُدخل عليه الرياء وابتغاء الثناء والرفعة في الدنيا. (^١).