ومن موجبات القبول التوبة من الذنب والتوبة هي: الندم والاستغفار فقد قال الرسول ﷺ: لعائشة: ﵁ (إن كنتِ ألممْتِ بذنبٍ فاستغفِري اللهَ وتوبي إليهِ، فإن التوبةَ من
_________________
(١) ينظر المصدر السابق.
(٢) ينظر تفسير الخازن (٣/ ٢٩٨)، وتفسير عبد الرزاق (٢/ ٤٤٢)، وتفسير السعدي ص: ١٠٦، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٢/ ٧٤٦/ ح ٩٢٩).
[ ٧٠ ]
الذنبِ: الندمُ والاستغفارُ) (^١).
وهي: " الاستغفار بعد الاعتراف بالذنب وتركه والندم على فعله" (^٢).
وقيل هي: "الإقلاع عن الذنب، والشعور بالندم، والعزم المؤكد على ألا يعود إليه من بعد" (^٣).
وحقيقة التوبة أنها تكون من الله للعبد ابتداءً وذلك بالتوفيق لها، ثم تكون من العبد لله حيث يرجع العبد إلى الله بالتوبة، ويرجع الله تعالى بقبوله، ورفع المؤاخذة على الذنب، ورضاه عنه.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] وقال في شأن الثلاثة الذين خلفوا: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]. قال أهل التفسير (^٤): أكرمهم الله فوفقهم للتوبة، وتدارك قلوبهم قبل أن يصيبها الضعف والزيغ، فأمطر عليهم سحائب جوده، ولم يقنطهم من كرمه، فهداهم لتقويم ما اعوج، وأرشدهم للسير على النهج، فإنه إن لم
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند، (٤٢/ ٣١٤/ ح ٢٦٢٧٩)، والبيهقي في شعب الإيمان، (٩/ ٢٥٢/ ح ٦٦٢٧)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: "صحيح" (٥٦١/ ح ١٢٠٨).
(٢) أيسر التفاسير (١/ ٤٦).
(٣) زهرة التفاسير (١/ ٤٨٠).
(٤) ينظر تفسير زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٣٠٨)، وتفسير السمعاني (٢/ ٣٥٨)، وتفسير الوجيز للواحدي (١/ ٤٨٥)، وتفسير القاسمي (محاسن التأويل) (٥/ ٥٢٠).
[ ٧١ ]
يوفقهم الله سبحانه إلى هذا الموقف، ويربط على قلوبهم فيه، لم يكن منهم هذا الصبر على البلاء، ولا احتمال هذا المكروه الذي وقعوا فيه. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: الكثير القبول للتوبة، المتجاوز عن الذنب، الرَّحِيمُ بهم بعد التوبة (^١).
وهنا يشعّ من بين حروف الآية الكريمة معنىً واضحٌ لا لبس فيه وهو أن توبة الله على العبد سابقةٌ ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ ولاحقة ﴿لِيَتُوبُوا﴾ بتوفيق منه، فالله جل وعلا ينظر إلى قلب العبد فإن رأى إرادة الندم، وصدق النية، وقلق النفس وتأنيب الضمير، واستعظام ما أقدم عليه في حق خالقه، وفّقه للتوبة وهداه إليها، فإن تاب وأصلح تقبّله وتقبّل منه.
فمن موجبات القبول التوبة عن المعصية، لأنها تصحّح للمؤمن إيمانه، وتقيل عثرته، فإن المعاصي قد تقف سدًا منيعًا عن قبول العمل، إذ كيف يجرؤ عبد أن يعصي سيده ويستجلب نقمته عليه، ثم يسأله ويطلب منه. وبالرغم من أن ابن آدم خطاء ومن طبيعته الزلل، وتجرّه أهواؤه للوقوع في دائرة الخطل، وَقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) (^٢) والاستغفار جابر
_________________
(١) ينظر تفسير السمر قندي (٢/ ٩٦)، وتفسير ابن عثيمين (١/ ١٣٦)، والتفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب (٦/ ٩١٢)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٤١٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢١٠٦/ ح ٢٧٤٩).
[ ٧٢ ]
للطاعة، متمّم لجوانب النقص فيها، مطهر للعمل من شوائب الشرك والرياء، ومع أن الله تعالى من صفاته أنه يغفر الذنب ويقبل التوب، ويستجيب لعبده على معاصيه إلا أن الإصرار على الذنب، ومبارزة الله تعالى بالمعاصي والاستمرار عليها وعدم التوبة يعدّ عنادًا واستكبارًا وهو الذي يحجب العبد عن ربه (^١). والله تعالى يبغض المعاصي وبعضها عند الله تعالى أبغض من بعض فقد يعمل العبد المعصية فيلقى من سخط الله بسببها مالو عمل واستكثر من غيرها فإن الله تعالى قد خبّأ سخطه في معاصيه فلا يدري عبدٌ أي معصية استجلبت نقمة الله عليه، فيغلق باب القبول دون العبد بسببها، وكما قال جعفر الصادق ﵁ (^٢): (إن الله تعالى خبأ ثلاثًا في ثلاث رضاه في طاعته فلا تحقروا منها شيئًا فلعل رضاه فيه وغضبه في معاصيه فلا تحقروا منها شيئًا فلعل غضبه فيه وخبأ ولايته في عباده فلا تحقروا منهم أحدًا فلعله ولي الله تعالى وزاد وخبأ إجابته في دعائه فلا تتركوا الدعاء فربما كانت الإجابة فيه) (^٣).
_________________
(١) ينظر جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٤٣٣)، والجواب الكافي لابن القيم ص ١٤١.
(٢) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، أبو عبد الله المعروف بالصادق، أمه أم فروة بنت القاسم بْن مُحَمَّدِ بْنِ أَبي بكر الصديق، وأمها أسماء بنت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبي بكر الصديق، إمام من أئمة أهل السنة، ومن سادات أهل البيت علمًا وفقهًا وفضلًا روى عنه الثوري ومالك وشعبة، مات سنة ١٤٨ هـ. ينظر الثقات لابن حبان (٦/ ١٣١)، وتهذيب الكمال للمزي (٥/ ٧٤).
(٣) الزهد الكبير ص: ٢٩٠، وإحياء علوم الدين (٤/ ٤٩).
[ ٧٣ ]
في ضوء ما تقدم يُلاحظ أن العبد قد يُحرم القبول من جهتين:
١ - من معصية جلبت سخط الله:
كالذي قال كلمة من سخط الله أو تألّى عليه (^١) فيُحرم بذلك القبول.
٢ - للإصرار وعدم التوبة:
وقد ذكر النبي ﷺ أن من أسباب منع قبول الدعاء اقتراف الحرام فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (^٢) فهذا مُصرّ على الحرام، والتعامل به، مع أنه يطيل السفر في وجوه الطاعات كالحج والعمرة وصلة الأرحام، مما أدى إلى منع قبول دعائه وعدم الاستجابة له (^٣).
_________________
(١) ينظر الحديث في مطلب مؤخرات القبول، التألي على الله ص ١٣٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، (٢/ ٧٠٣/ ح ١٠١٥).
(٣) ينظر شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد، باب الاقتصار على الحلال الطيب (٦٠/ ح ١٠)، والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٧/ ١٠٠/ ح ١٠١٥).
[ ٧٤ ]
فالتوبة وعدم الإصرار على الذنب، وعدم استصغاره واحتقاره من موجبات القبول ومعززاته ولذلك بين الله تعالى أن ليس كل توبة يقبلها فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٧ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨] فقبول التوبة على الله وتوفيقه لها
وتجاوزه عن صاحبها إنما يكون لمن أذنب من المؤمنين وهو جاهل غير متعمّد ولا مصرّ مصحوبة بالندم والاستغفار وترك العود إلى مثله قبل نزول الموت بهم، وقيل الجهالة تحتمل أمرين:
- أن يعملوا العمل وهم يجهلون المكروه فيه.
- أن يُقدموا عليه على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، ولكن سوّلت لهم أنفسهم وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالًا لإيثارهم القليل الزائل على الكثير الدائم.
ولكن ليس قبول التوبة للذي أصرّ على فعله، وتمادى في غيّه حتى غرغرت منه الروح، وإذا بملك الموت على رأسه يلوح، ولا لمن استكبر وكفر، وعاين الموت على جحود وغرر.
[ ٧٥ ]
فالله تعالى يحب التوابين ويتقبل منهم بل ويفرح سبحانه بتوبتهم (^١) وقد يرفعهم بتلك التوبة عنده إلى أفضل ما كانوا عليه، فكلما صاحب التوبة العزم والصدق والإصرار، ورافقها الذلّ والاعتراف والانكسار، وتبعها بعمل صالح لمحو الأوزار ارتقى صاحبها في درجات القبول، وقد يرقى بتلك التوبة إلى مالا يرقى إليه غيره من أهل الصلاح، وقد ذكر ابن تيمية أنّ من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته. وعلّق ابن القيم أن هذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصيةُ للعبد من الذلّ والخضوع والإنابة (^٢).
* * * *