الله تعالى هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، يحب من عباده الرُّحماء ويدخلهم في رحمته التي هي أوسع أبواب القبول قال النبي ﷺ: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ …) (^٢)
فإذا كان الراحم من عصاة المؤمنين أو من الغافلين قليل العمل، كثير الزلل، فإن تلك الرحمة قد تكون سببًا في قبول الله لعمله، ومحو كبير زلله، وتجاوزه عن تقصيره، ويغمره برحمته وغفرانه وإن بلغت ذنوبه عنان السماء، فالله تعالى هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو الأحق من عبده برحمة عباده، وفي هذا قال الرسول ﷺ:
(بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين ص ٥١٤.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن، (٤/ ٣٢٣/ ح ١٩٢٤)، وأحمد في المسند (١١/ ٣٣/ ح ٦٤٩٤)، وأبو داود في السنن (٤/ ٢٨٥/ ح ٤٩٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى، (٩/ ٧١/ ح ١٧٩٠٥)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[ ٢٠٣ ]
بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، ثم خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بلغني، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ماء، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذِات كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) (^١).
يُلاحظ أن الحديث الشريف لم يعرّج على طبيعة عمل الرجل الذي سقى الكلب بل غض الطرف عنه مما يعني أن الله غفر له على ما كان من عمل مادام على الإيمان بالله.
قال صاحب عمدة القاري " فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَوْ قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ … وَيجوز أَنْ تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر " (^٢).
ويؤيد ذلك حديث البَغِيّ التي سقت الكلب قال ﵊: (أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١١١/ ح ٢٣٦٣).
(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٢/ ٢٠٦).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٦١/ ح ٢٢٤٥). قال النووي والموق بِضَمِّ الْمِيمِ هُوَ الْخُفُّ (١٤/ ٢٤٢/ ح ٢٢٤٥) ..
[ ٢٠٤ ]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ شَجَرَةٌ فِي طَرِيقِ النَّاسِ تُؤْذِي النَّاسَ، فَأَتَاهَا رَجُلٌ فَعَزَلَهَا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَقَلَّبُ فِي ظِلِّهَا فِي الْجَنَّةِ) (^١).
ومثله قوله ﵊: (أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الجَنَّةَ) قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً (^٢).
من خلال تآزر الأدلة السابقة وغيرها كثير يتأكد أن رحمة الخلق وإسداء النفع إليهم عمل يحبه الله ويتقبله بل إن الله تعالى يثيب عليه العبد الكافر بثواب دنيوي فكيف بالمؤمن قال ﷺ: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢١/ ٩٩/ ح ١٣٤١٠)، وأبو يعلى في مسنده، (٥/ ٣٩٢/ ح ٣٠٥٨)، والمنذري في الترغيب والترهيب، (٣/ ٤٥١٢) وقال الألباني: " حسن صحيح" في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١٦٦/ ح ٢٦٣١) ومنيحة العنز هي الناقة أو الشاة أو أنثى الضأن والماعز ذات الدرّ تُعار للأخ أو تُمنح للجار أو غيره ليستفيد من لبنها زمنًا، ثم ترد إلى أهلها، ينظر شرح ابن بطال على صحيح البخاري (٧/ ١٥٠)، ولسان العرب (٩/ ٤٢٢).
[ ٢٠٥ ]
مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا) (^١).
وقد وصف الله المؤمنين بالرحمة فيما بينهم فقال ﷻ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وأرسل رسوله ﷺ رحمة للناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وخلاصة الأمر فإن هذه الصفات السالفة الذكر من أهل الإيمان صفات محبوبة من الله تعالى، قد يقبل الله تعالى العبد لخصلة واحدة منها، وكلما اجتهد العبد في الاتصاف بجميعها كان أدعى للقبول والرفعة في الدرجات.
* * * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، (٤/ ٢١٦٢/ ح ٢٨٠٨).
[ ٢٠٦ ]