قال تعالى في امتداح أهل الذكر وبيان مالهم من عظيم الثواب: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وكفى بهذه الآية الكريمة من عظيم الدلالة على محبة الله وفتح أبواب القبول لعبده الذاكر، وهل هناك أعظم من أن يذكر الله العبد، في نفسه، أو يذكره في ملأ الملائكة الكرام، والذكر من الله للعبد دلالة على رضاه وقبوله ومن ﵁ رحمه وأثابه وأثنى عليه في الملأ الأعلى (^١). فاذكر الله في كل حال في سفرك وحضرك في فرحك وترحك، في طاعتك وتفريطك، اجعل الله أقرب منك من نفسك يذكرك ومن فاز بذكره كان معه.
فذكر الله جلّ وعلا، من أعظم موجبات القبول، ومن أهم العبادات التي يحبها الله تعالى، لأن فيه ثناء عليه، واعتراف بألوهيته وربوبيته، وتمجيد له بما هو أهله.
هذا ولا شك أن التنزيه والتحميد والتسبيح قُبيل تقديم العمل الصالح بين يدي أكرم الأكرمين
_________________
(١) ينظر تفسير الخازن (١/ ٩٢)، والتفسير الوسيط للقرآن الكريم (١/ ٢٢٩).
[ ٦٨ ]
مسبوقًا بالثناء والذكر فيه كمال الاعتراف بجلال الله وكمال الخضوع له سبحانه فذلك أحرى أن يُستجاب لذلك العبد وتُقبل مسألته، ويُتقبّل منه عمله (^١).
وأهل الذكر هم أهل السبق إلى أعالي الجنان قال النبي ﷺ: (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَات) (^٢). ومعنى المفردون: هُوَ من تَفْرِيدُ النَّفْسِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وألا يُنسى الله تعالى على كل حال (^٣).
ومعنى السبق في قوله (سبق) أي سبقوا إلى مرضاة المولى، وإلى الدرجات العُلى (^٤).
قال ابن القيم: "فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنَ الْجَوَارِحِ عُبُودِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَالذِّكْرُ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَهِيَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، بَلْ هُمْ مَأْمُورُونَ بِذِكْرِ مَعْبُودِهِمْ وَمَحْبُوبِهِمْ فِي كُلِّ حَالٍ " (^٥).
ومما يدل على عظمة الذكر ورفعة شأنه عند الله أنه يقترن بالأعمال الصالحة فالصلاة مقرونة بالذكر من تسبيح وتحميد وثناء على الله وتلاوة للقرآن الكريم وكذا الحج والعمرة وكثير من العبادات
_________________
(١) ينظر شرح المشكاة للطيبي (٥/ ١٧١٣)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ١٤١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٦/ ٢٠٦٢/ ح ٢٦٧٦).
(٣) ينظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٥٤٠ - ١٥٤١).
(٤) ينظر دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (٧/ ٢٣٤).
(٥) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٦).
[ ٦٩ ]
والأعمال من طعام وشراب ومنام ولا تخلو حياة العبد المؤمن من ذكر الله في جميع أحواله فالذكر روح العمل، فإذا خلا العمل من الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه (^١).
والذكر على إطلاقه يكون باللسان والقلب والجوارح ويدخل فيه تلاوة القرآن الكريم والصلاة على النبي ﷺ لأنها تتضمن ذكر الله وذكر رسوله واعترافًا بحقه ﵊، كما تدخل فيه الصلاة قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] أي يُصلي له فيها بالغداة والعشي (^٢).
* * * *