- والدعوة بتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا " (^٣).
ومن يتتبع ما ورد في القرآن عن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجد أن القرآن الكريم -كعهده في الحث على كل خير - رغّب فيه في أكثر من آية، وما ذلك إلا أنه من موجبات القبول وأساساته، ومن سبل الفوز برضاه سبحانه، كيف لا وهو القائل جل في علاه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥) (٤/ ٢١٩/ ح ٢٤٥٩)، وقال حديث حسن، وأخرجه أحمد في المسند، (٢٨/ ٣٥٠/ ح ١٧١٢٣)، وابن ماجه في السنن أبواب الزهد، (٢/ ١٤٢٣/ ح ٤٢٦٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (ح ٤٢٦٠).
(٢) الجواب الكافي: ص ٢٥.
(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٥/ ١٥٧).
[ ٨٠ ]
قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
وإذا كانت الدعوة إلى الله هي سبيل إقامة الدين، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل الحفاظ عليه بين من دخلوا فيه فهما بنفس المنزلة من الله تعالى فكل من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فقد دعا إلى الله بشكل من الأشكال، وهي جميعًا أحسن الأقوال على الإطلاق، وأحسن عمل مجتمعي ينشر في الناس، وأصحابها بأحسن منزلة عند الله وأرفعها، وقد ورد الحث عليها بهذا اللفظ في ثمان آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] فبين الله تعالى أن من الخواص التي يتميّز بها عباده المؤمنين، التعاون على البرّ والتقوى والتواصي بالحق والصبر وعلق الفلاح على ذلك فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
كما ورد في القرآن الحث عليه بمعان أخرى متقاربة ومنها ما جاء في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فجعله من التواصي بالحق والصبر قال المفسرون: وَأَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالصَّبِرِ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وعَلَى
[ ٨١ ]
أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِقَامَةِ أَمْرِ اللَّهِ (^١).
وما بلغت الأمة هذه المرتبة السامية من الخيرية إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وفي المقابل فقد ذم الله تعالى بني إسرائيل ولعنهم، وسخط عليهم لتركهم هذه الشعيرة العظيمة فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].
والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرٌ يستلزم الصبر والمصابرة ولهذا اختص الله الصابرين بالمحبة وعظيم الثواب، وفي الحقيقة فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يقود الفرد إلى ما يكره ممن يأمرهم وينهاهم فيتسببون في ظلمه والتطاول عليه، وهذا يندرج تحت الصبر الاختياري (^٢) وهو النوع الأعلى والدرجة الأسمى التي هي من سمات أولي العزم من الرسل.
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (٢٤/ ٦١٤)، وتفسير البغوي (٨/ ٥٢٢)، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٤/ ٤٨٧).
(٢) فالصبر قسمان: صبر اضطراري، وصبر اختياري، فالصبر الاضطراري هو: صبر على أقدار الله عزوجل كالمصائب التي تجري بدون اختيار العبد، أما الصبر الاختياري فهو الصبر على أمر غير مرغوب فيه كالمصائب الواقعة على العبد من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالظلم والسجن والعقاب ولهذا ذكر ابن تيمية أن الصبر الاختياري أشد وأعظم أجرًا. فصبر أيوب على المرض صبر اضطراري، أما صبر النبي ﷺ على أذية قريش فصبر اختياري فقد خيره ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين فأبى. انظر أمراض القلب وشفاؤها لابن تيمية ص ١٩ - ٢٠
[ ٨٢ ]
فمن موجبات القبول والأدعى لاصطفاء الله أن يكون العبد آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر داعيًا لربه موافقًا قوله فعله، فهي وظيفة الرسل وأنعم بها وظيفة، وقد جعل الله أصحابها والقائمين عليها هم الفئة الناجية إذا أخذ الله الناس بعذاب فقال:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابِ بَئِيسِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. قال أهل العلم: " نَجَا النَّاهُونَ، وَهَلَكَ الْفَاعِلُونَ، وَلَا أَدْرِي مَا صُنِعَ بِالسَّاكِتِينَ " (^١) فكانت عاقبة الذين ينهون عن السوء النجاة في الدنيا إذا أخذ الله الناس بعذاب، والقبول والرفعة في الآخرة (^٢).
* * * *
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٥٢١) ونسب القول لابن عباس وهو ضعيف جدا لأجل الهذلي وهو متروك وفيه ابن وكيع وهو ضعيف. انظر (وكيع ابن الجراح أقواله ومروياته) من رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى لمحمد أحمد القرشي ص ٩٣٥.
(٢) وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطًا وهي:
(٣) وجوب اتباع الحق من كلا الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ.
(٤) أن يكون الآمر له علم بالمعروف الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه.
(٥) ألا يؤدي إنكاره إلى منكر أكبر منه; لِإجْمَاع الْمُسلِمِين على ارْتِكَاب أَخفِّ الضَّرَرَين. وللآمر صفاتٌ ينبغي أن يتحلى بها: ومنها الصبر والعلم والحلم والحكمة وسلامة القصد، وإرادة الخير. ينظر أضواء البيان (١/ ٤٦١)، وشرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين ص: ٦٩٦.
[ ٨٣ ]