حسن الظن بالله تعالى يكون بتغليب الرجاء والطمع في القبول، وترجيح جانب حسن الظَّنِّ بِالله تعالى لكن لا يخلو ذلك من مخافة الله فما أحسن الظانّ بالله عمله إلا خوف عدم القبول (^٣). أما كثرة التوجس وظنُّ عدم قبول العمل يوجب الفتور وَالْكَسل بل يقود للقنوط واليأس، واعتقاد قبوله يُشعل في النفس النشاط ويوقد فتيل الحماس، ويحرك الهمّة للمزيد. والله تعالى وعد بالأجر والثواب فِي مُقَابل الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ في القرآن الكريم
_________________
(١) ينظر الحديث في مطلب قبول خاص لأفراد وفئات، فئة التوابين والمتطهرين ص ٢٣١.
(٢) ينظر الجواب الكافي ص: ٢٠٩.
(٣) ينظر الجواب الكافي ص: ٨٦ - ٨٧.
[ ٧٦ ]
في أكثر من خمسين موضعًا وطمأن المؤمن بحفظ عمله وعدم ضياعه، وبالمغفرة لذنبه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وقوله عزّ مِنْ قائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩] وفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) (^١) وَقال ﷺ: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ) (^٢) فالظنّ الحسن ورجاء الْقَبُولِ، هو في ذاته مُوجِبٌ لِلْقَبُولِ إذا ما اقترن بالعمل الصالح (^٣).
ولا ريب أن حسن الظن بالله لا يتحقق إلا مع الإحسان في العمل، فمن أحسن العمل أحسن الظن بربه فيجازيه الله على إحسانه بأحسن منه وأكرم وأشرف، ويُنجز له وعده، ويتقّبل منه توبته، وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي ودركات الظلم ومهاوي الحرام تمنعه من حسن الظن بربه. فأنى لمن سلك طريق القبائح ونأى عن المحاسن، أن يحسن الظنّ!. لا جرم أنه لا يتجرّأ على مثل ذلك إلا المغترّ.
فنرى النص القرآني يرسم صورة المؤمن حَسَن الظنّ بربه يوم القيامة عند تطاير الصحف آخذًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ٢١/ ح ٧٤٠٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، (٥/ ٢٢٠٥/ ح ٢٨٧٧).
(٣) ينظر بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية للخادمي (٢/ ١٨٢).
[ ٧٧ ]
كتابه بيمينه، لقد كان على يقينٍ بأنه سيُلاقي ذلك الجزاءَ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملًا فتراه رافعًا رأسَه بابتهاجٍ في أسعدِ موقفٍ مرَّ عليه منذ يوم خُلقَ قائلًا كما حكى عنه ربه ﷿: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠] قال الحسن البصري: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل " (^١).
فحسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويتقبلها منه ويثيبه عليها، فكلما أحسن ظنه بربه أحسن عمله تبعًا لذلك، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ٤٥ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]. فالذين استيقنوا من لقاء ربهم وعلموا أنهم ملاقوه للحساب أحسنوا العمل وهو في حدّ ذاته إحسان ظن نابع من قلوبهم دافعٌ إلى حسن العمل. وهنا يمكن أن نستنبط من لفظ
﴿يَظُنُّونَ﴾ ومعناه يستيقنون (^٢) إشارة خفيه إلى حسن الظن، لأن اليقين بلقاء الله مستلزم لحسن الظن به (^٣)، وهو ما يدعو
_________________
(١) صفة النفاق وذم المنافقين للفرياني ص: ١٢٩، والجواب الكافي ص: ٢٥.
(٢) ينظر تفسير ابن ابي حاتم (٢/ ٤٧٦)، وتفسير السمر قندي (١/ ٤٩).
(٣) فحسن الظن بالله إيمان به ويقين بلقائه، وسوء الظن بالله كفر قال تعالى ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]. ينظر إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لفضيلة الشيخ صالح الفوزان (٢/ ٢٤٠).
[ ٧٨ ]
الخاشع إلى الاستعانة بالصبر والصلاة. ويؤكد على هذا المعنى قوله تعالى:
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] إنّ المؤمنين بربهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاء الله وأنهم ملاقوا وعد الله بالمعونة والنصر والتأييد على سبيل حُسن الظنّ كان لهم ذلك (^١). فإن الله تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فكل من رجا الله واستيقن لقاءه فإن الله يحقق له رَجَاءَهُ من الثواب والكرامة إِذَا مَات عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (^٢).
وكما أن حُسن الظنّ يقود إلى حسن العمل، فسوء الظن قائدٌ ولا شك إلى الإصرار والغرور والانهماك في المعاصي. قال قتادة: "من استطاع منكم أن يموت وهو حَسن الظنّ بربّه فليفعل، فإنّ الظنّ اثنان: ظنّ يُنجي، وظنّ يُردي " (^٣). كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. قال ابن القيم: " حسن الظن هو الرجاء فمن كان رجاؤه هاديًا له إلى الطاعة فهو
_________________
(١) ينظر تفسير الكشاف للزمخشري (١/ ٢٩٦)، ومفاتيح الغيب للرازي (٦/ ٣٩٥)، وتفسير ابن كثير (١/ ٥٠٨).
(٢) ينظر مفاتيح الغيب (٦/ ٣٩٥)،.
(٣) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٩٣).
[ ٧٩ ]
رجاء صحيح، ومن كانت بطالته ورجاؤه تفريطًا فهو المغرور. وحسن الظن مع اتباع الهوى
عجز، كما قال النبي ﷺ: (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) (^١) " (^٢).
* * * *