﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والتوابون هم الذين يكثرون التوبة والرجوع إلى الله، بالندم والاستغفار والإقلاع عن الذنب (^١)، ولذلك جمع الله تعالى في هذه الآية حبه للتوابين والمتطهرين، لأن التوبة تطهير معنوي من دنس الشرك، والنفاق، وسائر الذنوب والسيئات، والغسل أو الوضوء تطهير حسي من الأقذار وسائر النجاسات وهو كذلك تطهير معنوي فقد قال الرسول ﷺ: (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
_________________
(١) ينظر شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ص: ٢٣٢.
[ ٢٤٢ ]
الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ) (^١). ففيهما طهرة للنفس والبدن قلبًا وقالبًا. وإنك لا ترى التوّاب الحريص على الاستغفار ونيل عفو ربه في وضوئه وغسله مفرّطًا، بل تراه حريصًا على الإتيان بهما على وجههما، أما المفرط الغافل فهو كذلك في طهارته الحسية تجده ينتقص الوضوء، ولا يتم الغسل على الوجه الصحيح، وذلك لغياب الحرص الذي يتميز به التوّاب، المستحضر لذنبه عند كل وضوء واستشعاره بتساقط سيئاته كما في الحديث الآنف الذكر وكما قال ﷺ: (مَنْ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَأَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً) (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٢١٦/ ح ٢٤٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن (١/ ١٠٣/ ح ٢٨٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٢٠/ ح ٤٤٦)، والنسائي في السنن (١/ ٧٤/ ح ١٠٣)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤١/ ح ٣١)، وقال الألباني: "صحيح" في صحيح ابن ماجة.
[ ٢٤٣ ]
والتواب الكثير الرجوع إلى ربه ويتميز بثلاثة أمور:
١ - الخوف واستشعار مغبّة بالمعصية.
٢ - الندم على مخالفته أمر الله.
٣ - العزم والتشمير عن ساعد الجد لاستدراك ما فات.
فالخوف هو الإحساس بالذنب والاعتراف به، مما يُلجئ العبد إلى الندم والحسرة على مقارفة الذنب وإظهار الضعف والذلة وكيف غرّه ستر الله عليه فتجرّأ على انتهاك محارم الملك الجبار، ثم هذا الندم يدفعه إلى اللجوء إلى طلب العفو والمغفرة، وعقد العزم على عدم العودة واستدراك ما فرط منه (^١).
وهذه الأمور الثلاثة هي حقيقة التوبة النصوح فهي تجتمع في العبد التواب وتلازمه من غير أن تؤدي به إلى اليأس والقنوط، فتراه دائمًا مشفقًا من لقاء الله، وجلًا من ذنبه، ناهضًا لاستدراك ما فات. ولذا كان سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: (اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِذُنُوبِي، وَأَبُوءُ
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (١/ ٢٠٤).
[ ٢٤٤ ]
لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلَّا أَنْتَ) (^١).
وقد ذكر ابن القيم أن هَذَا الِاسْتِغْفَارُ تضمّنَ اعتراف العبد بربوبية الله، وإلهيته وتوحيده، وبأنه الخالق العالم به، وَالِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ عَبْدُهُ المنطرح بين يديه وفي قبضته، لَا مَهْرَبَ لَهُ مِنْهُ، وَلَا وَلِيَّ بِهِ سِوَاهُ، ثُمَّ الْتِزَام الدُّخُولِ تَحْتَ عَهْدِهِ - وَهُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ - والاعتراف بالنعمة، والإقرار بالذنب، فَمِنْ الله النِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالْفَضْلُ، وَمِنْ العبد الذَّنْبُ وَالْإِسَاءَةُ،
ولِهَذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ، فهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ،، مَعَ مُشَاهَدَتِهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ وَعَمَلِهِ، وَمِنَّة اللَّهِ عَلَيْهِ؟ فَهَذَا الَّذِي يُعْطِيهِ نَظَرُهُ إِلَى نَفْسِهِ وَيُشعره بنَقْصِه وتقصيرهِ (^٢).
والله تعالى يفرح بتوبة عبده، وفرح الله تعالى يستلزم قبوله ورضاه ومحبته ورحمته ومغفرته للعبد التائب فكيف بالتوّاب، وفي الحديث: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ
_________________
(١) ينظر الحديث بتمامه في صحيح البخاري (٨/ ٦٧/ ح ٦٣٠٦).
(٢) ينظر مدارج السالكين ص: ٢٣٧.
[ ٢٤٥ ]
الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ) (^١).
وينبغي الإشارة إلى أن التوبة والإكثار منها لا يشترط أن تكون عند إحداث الذنب فحسب، بل التوبة مطلوبة على الدوام للعاصي والمطيع وتجديد التوبة صفة التوابين، فعمل العبد لا يخلو من تقصير، ونوايا العباد قد يشوبها شيء من حظوظ الدنيا، وقد لا ترقى العبادة في أدائها لتناسب قدر المعبود ﷻ فيحسن الاستغفار والتوبة على الدوام (^٢) قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وقيل التوبة سبع مراتب: " توبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المراقبة عن الغفلات" (^٣).
* * * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢١٠٣/ ح ٢٧٤٤).
(٢) ينظر تفسير ابن رجب (روائع التفسير) (٢/ ١٦٧)، والبحر المحيط في التفسير (٨/ ٣٧).
(٣) كتاب التوحيد المسمى بـ «التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد» للحملاوي ص: ٢٤٩.
[ ٢٤٦ ]