ذكر العلماء في الصبر أقوال مختلفة تعود لتنوع الأفهام وتعدد الرؤى والأفكار في تعريف الصبر ومن ذلك قول ابن القيم: الصبر "هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره" (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية لأبي العز (٢/ ٥٠٩).
(٢) ينظر تفسير البيضاوي (٥/ ١٣٧)، وتفسير أبي السعود (٨/ ١٢٣)، وروح البيان (٩/ ٩٢).
(٣) ينظر تفسير الطبري (١٩/ ١٤٨)، وتفسير الشافعي (٣/ ١٢٨١)، وروح البيان (١/ ٣٠٥).
(٤) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه ص: ١٨.
[ ٢٢٦ ]
وبأنه: الوقوف مع البلاء بحسن أدب، وأنه تعويد النفس الهجوم على المكاره، وأنه الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة (^١).
والصبر نوعان:
١ ــ صبر اضطراري: وهو الصبر على المصائب والكوارث والابتلاءات التي لا يدَ للعبد في دفعها، فالمؤمن مجبور ومضطر على الصبر عليها وإلا كان معترضًا على حكم الله وقدره، فقدر الله نافذ وليس فيه للمؤمن إلا الصبر والاحتساب.
٢ ــ صبر اختياري: ويدخل فيه:
أ ــ الصبر على ظلم الغير، والغضب والرغبة في الانتقام.
ب ــ الصبر على الطاعة ومجاهدة النفس عليها وإكراهها على محاب الله.
ج ــ الصبر على المعصية وحفظ الجوارح عن سائر الذنوب والآثام (^٢).
وبناء على الصبر بنوعيه ودرجات الصابرين فيه تتضح مراتبهم.
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (١/ ١٥٧).
(٢) ينظر عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم ص: ٣٣.
[ ٢٢٧ ]
وقد خص الله الصابرين بمزيد من الثناء، وأفاض القرآن في ذكر الصبر وعاقبة الصابرين، وبشّرهم بالعديد من علامات القبول التي تظهر جلية عند التأمل في نصوص الكتاب الكريم ومن ذلك:
١ - أنه أوجب لهم محبته بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] والمحبة من الله تدلّ على الرضا عن المحبوب، ومحققة للمغفرة للذنوب (^١).
٢ ــــــ أثنى عليهم فقال سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فالذين ابتلاهم الله بالفقر فرضوا، وبالأدواء فحمدوا، وبالقتال والسيوف على رؤوسهم فثبتوا، فهؤلاء الذين صدقوا في إيمانهم (^٢)، وواطأت قلوبهم أفعالهم. وتنبئ خاتمة الآية ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ عن وعد وتكريم حيث تلقوا البلاء بالصبر، والأمر بالطاعة، فكان اعتراف من ذي الجلال لهم بتقواه، والخوف منه، فطمأنهم وأجارهم وبشّرهم بنيل ما صَبت إليه نفوسهم من البعد عن عذابه، وتفَيُّءِ ظلال أمنه وثوابه (^٣).
٣ ــــــ بشرهم بمعيته الخاصة لهم بالنصر والتأييد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) ينظر شرح العقيدة الواسطية للعثيمين (١/ ٢٥١).
(٢) ينظر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي (١/ ١٤٦).
(٣) ينظر تفسير ابن كثير (١/ ٣٥٧)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (روائع التفسير) (١/ ٣٦١).
[ ٢٢٨ ]
اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. فهو معهم بالحفظ معهم بالعون والنصرة، معهم بالتثبيت على الطاعة، معهم بتيسير المجاهدة، حتى يجدوا لذة الصبر ما داموا قد قهروا النفس وقدموا محاب الله على محابهم.
٤ ــ تُقبل أحسن أعمالهم: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. تقبل طاعاتهم، بل ويجزيهم بأفضل منها بما لا يخطر على بال، ويكرمهم عليها بأعلى المنازل في جنة عدنٍ دار المآل، ويبدّل بؤس حالهم إلى أفضل ما يكون الحال، وزاد مقاتل: "إنما ذكر الأحسن لأنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم، بل يغفرها لهم" (^١). فمن جازاه الله بأحسن عمله غفر ذنوبه فلا يحاسبه عليها. كل ذلك دلالة على سعة الإحسان، وواسع العطاء، وجميل الجزاء نسأل الله العظيم من فضله. هكذا تجمل المعنى كتب التفسير. (^٢)
٥ - الجزاء الوافر لهم بغير حساب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. فيثيبهم بكل حسنة أضعافًا مضاعفة بغير حساب، ثوابًا لا حدّ له، ولا يعلم أحد مقداره، بل يغدق الله عليهم من فضله، وتنهمر عليهم فيوضه وأنهاره، في مقابل صبرهم لأيام قلائل، كانوا
_________________
(١) اللباب في علوم الكتاب للنعماني (١٤/ ٣٩٨).
(٢) ينظر تفسير أبو السعود (٦/ ١٨٠)، وروح البيان (٦/ ١٦٠)، وتفسير الطبري (١٧/ ٢٨٨).
[ ٢٢٩ ]
فيها لا يحجبهم عن طاعة ربهم متاع زائل، ولا شغلٌ شاغل، ولا يحولهم عن الله حائل (^١).
٦ ــ إطلاق البشرى لهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. بشرى في الدنيا بالفرج وانقشاع الغمة وبشرى في الآخرة بالغفران، وحلول الرضوان، وبالثواب على الصبر وقوة الإيمان، وبالعِوض عمّا فقدوا، وبما يحبون على ما صبروا، فهي بشريات تتالى، وعطايا تترادف، قال الطبري: " وأصل التبشير: إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره " (^٢).
٧ ــ ما يلقى العمل الصالح والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. الصبر خُلقٌ رفيع ومقام سامٍ، لا يقوم بحقه إلا من أكرمه الله ووفقه لحبس نفسه عن سفاسف الأمور، وقهرها إلى معاليها وشيَمها، الذي منّ الله عليه بالحظ العظيم من العقل والحلم والبصيرة، ومن آتاه الله الحظ العظيم من العقل وجميل الخصال في الدنيا فله الحظ العظيم من الجنة في الآخرة. فهؤلاء هم الذين فازوا بالنصيب الأوفر
_________________
(١) ينظر تفسير أبي حاتم (٢/ ٤٦١)، وتفسير الطبري (٢٠/ ١٧٩).
(٢) تفسير الطبري (٣/ ٢٢١).
[ ٢٣٠ ]
في الدنيا والآخرة بما يكرمهم به الله سعادة قلبية وطمأنينة بال، وسكينة نفس في الدنيا ثم سعادة الجنة دار الخلود (^١).
٨ ــ أوجب لهم الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]. ويُفرِغ الله تعالى على قلوب الصابرين الطمأنينة والسكينة، وفي لفظ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ما يشعر بالحفاوة بهم وبإشاعة السلام والتحية بينهم حيث تسلّم عليهم الملائكة وتبشّرهم بالفوز بعد امتحان الشدة، والنجاح باجتياز المحنة، وقبولهم قبول سلامة من العذاب، ونجاة من العقاب، ورفعة وفضل على الصبر والاحتساب، فنعم العاقبة لهم الجنة (^٢).
٩ ــ يورثهم الهداية والإمامة قال ابن القيم ﵀ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين" (^٣) تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِئَايَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فالصبر يقود للرئاسة في الخير، وتتعدى بركات حسناتهم إلى غيرهم، وتتدفق ينابيع علمهم لينهل منها الظِّماء.
_________________
(١) ينظر غرائب التفسير للكرماني (٢/ ١٠٤٤)، وتفسير ابن جزي (٢/ ٢٤١)، وتفسير ابن كثير (٧/ ١٨١).
(٢) ينظر تفسير السمر قندي (٢/ ٢٢٥)، وتفسير الوجيز للواحدي (١/ ٥٧١).
(٣) ينظر مدارج السالكين (٢/ ١٥٣).
[ ٢٣١ ]
وتشع نجوم هدايتهم ليسترشد بها التائهون. فالإمامة في الدين أشرف المراتب، ومنقبة من أجل المناقب. لم ينالها هؤلاء صباحةً ولا وجاهةً وإنما طاعةً لربهم وولاية (^١).
فأهل الصبر في القرآن مراتبُ ثلاث (^٢):
١ - الصابر: وهي أعم مراتب الصبر وأوسعها: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٥].
٢ - المصطبر: وهو المثابر المجاهد نفسه على الصبر الإرادي الذي يستدعي مجاهدة الغير والصبر عليهم، وقال الطاهر بن عاشور: "والاصطبار شدّة الصبر على الأمر الشاق لِأَنَّ صِيغَةَ الِافْتِعَالِ تَرِدُ لِإِفَادَةِ قُوَّةِ الْفِعْلِ" (^٣).
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] فالصلاة تكاليف تتعلق بمجاهدة النفس وحث الغير والصبر عليهم والمداومة على ذلك.
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (٢٠/ ١٩٤)، وتفسير السمر قندي (بحر العلوم) (٣/ ٣٩).
(٢) وزاد ابن القيم وغيره من اللغة والسنة مرتبة المتصبّر والصبور انظر مدارج السالكين ص: ٣٥٥، وبصائر ذوي التميز (٣/ ٣٧٨).
(٣) التحرير والتنوير (١٦/ ١٤٢).
[ ٢٣٢ ]
٣ - الصبّار: مبالغة تعني الكثير الصبر، المتنوّع الصبر، فهو يصبر على الطاعة ويصبر على المعصية ويصبر على البلاء وعلى أذى الغير .. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]. نلاحظ في الآية وصف الله تعالى للمؤمن بالصبار وليس الصبور فلم يصف الله تعالى أيًا من عباده بهذه الصيغة فقد قال في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ
الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. بينما في صفة الشكر جاء بأبلغ وصف وهو الشكور. ويظهر أن تعليل ذلك قد يكون من وجهين:
أولا: أنه دليل على شدة وطأة الصبر وأن لفظ (صبّار) حدّ لمقام الصبر ودرجته الذي وصل إليها أصبر عباده أما الصبور فلم يصل إليها أحد فالصبور على الحقيقة هو وصف لله تعالى قال الرسول ﷺ: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (^١). فصبره وحلمه على كفر عباده واستكبارهم وتطاولهم عليه سبحانه وتعالى عما يصفون، أما درجة (الشكور) وصف الله بها بعض عباده وفي مقدمتهم نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] والشكور معرّفة بأل أبلغ من النكرة حيث قال تعالى في داود ﵇: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، (٩/ ١١٥/ ح ٧٣٧٨)، وأخرج نحوه مسلم، (٤/ ٢١٦٠/ ح ٢٨٠٤).
[ ٢٣٣ ]
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] أي قليلٌ من العباد من يصل إلى هذه المرتبة التي يوصف بها بأنه شكور، كما وصل نوح وآل داود ﵈ ونبينا محمد ﷺ حيث قال: (أفَلا أكونُ عبدًا شكورًا) (^١)
ثانيًا: أن أعلى درجات الصبر والتي تضمنت كثرة الصبر وتنوع أسبابه مع الصبر الجميل إنما هي دليل على الشكر، فلا يصبر على المكاره والطاعات إلا المحب الراضي والشاكر لربه ولذلك فإن أعلى مقامات الصبر إنما هي حاصل جمع صبرٍ وشكر، فكلما صبر العبد صبر رضا على حكم ربه كان ذلك صعودًا في منازل الشكر، والله أعلم.
- فئة المتوكلين: قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والتوكل عبادة جليلة لا تكون إلا لله وحده؛ لأنه هو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، بل هي شرط من شروط الإيمان وهو: تفويض الأمور إلى الله تعالى والاعتماد عليه سبحانه، والثقة به، والاستعانة به وحده، مع بذل الأسباب. فعلى قدر الإيمان يكون حسن التوكل، وعلى قدر
_________________
(١) انظر الحديث في صحيح البخاري (٢/ ٥٠/ ١١٣٠).
[ ٢٣٤ ]
التوكل تكون من الله الكفاية، قال أهل العلم: التوكل هو الاستعانة وهو نصف الدين، فالدين عبادة واستعانة وهو تحقيق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وقيل في التوكل هو: "اعتماد القلب على الله إيمانًا بكفايته سبحانه لعبده" (^١). وقيل هو انطراح القلب بين يدي الرب، فيكون العبد بين يدي ربه كالميت بين يدي غاسله يقلبه كيف يشاء (^٢).
والتوكل لا يكون إلا على الله أما إسناد بعض الأمور للبشر فيما يقدرون عليه من غير تعلق القلب بهم فيسمى توكيلًا لا توكلًا (^٣).
قال ابن القيم: " والعبد آفته إما عدم الهداية وإما عدم التوكل فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله" (^٤).
فهي صفة عظيمة يحبها الله وفي حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال النبي ﷺ: (هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (^٥).
_________________
(١) الجديد في شرح كتاب التوحيد لمحمد القرعاوي ص: ٣٠٥
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١١٥).
(٣) ينظر شرح الأصول الثلاثة للفوزان ص: ١٣٩.
(٤) مدارج السالكين (١/ ١٥٤).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، (٧/ ١٣٤/ ح ٥٧٥٢)، وأخرجه مسلم (١/ ١٩٨/ ح ٢١٨).
[ ٢٣٥ ]
فحقيقة التوكل أنه مركب من مجموعة أمور وعناصر مترابطة لا تتم حقيقة التوكل إلا بالإتيان بها مجتمعة، ومن استكملها فقد استكمل مقام التوكل، وقد بينها ابن القيم في مدارجه وهي:
أولًا: معرفة الرب سبحانه واليقين بكفايته وإحاطة علمه.
ثانيًا: إثبات الأسباب، ولكن عدم الركون إليها، وقطع علاقة القلب بها. بل بذلها والاعتقاد الكامل في المسبب لا السبب.
ثالثًا: تجريد التوحيد من علائق الشرك فبقدر تجريد التوحيد وتنقيته من الشوائب يكون صحة التوكل.
رابعًا: اعتماد القلب على الله والركون إليه كاعتماد الرضيع على ثدي أمه، واطمئنانه على صدرها.
خامسًا: حسن الظن بالله تعالى والرجاء به فعلى قدر حسن الظن يكون التوكل. والتوكل يدعو إلى حسن الظن. فهما مرتبطان لا ينفكان.
سادسًا: استسلام القلب لله، ودرء جميع ما ينازعه، واعتقاده بأنه لا يملك من الله شيئًا إلا ما يتفضل الله به، واعترافه بالعجز والخروج من حوله وقوته إلى حول الله وقوته.
سابعًا: التفويض وهو روح التوكل وحقيقته كما قال تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
[ ٢٣٦ ]
إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] تفويضًا يثمر عن الاعتقاد بأن الله تعالى لن يقضي له في أموره إلا ما هو خير له في معاشه ومعاده.
ثامنًا: الرضا فيقابل أحكامه فيه بالتسليم والرضا والقبول، وهو غاية التوكل وثمرته وإن خفيت عليه المصلحة والحكمة (^١).
قال الرسول ﷺ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (^٢).
وقوله: (حَقَّ تَوَكُّلِهِ) يُبين أن التوكل طبقات متفاوتة والمؤمن مطالب بالارتقاء في سلّم التوكل حتى يصل إلى التوكل الحق فالناس في ذلك درجات ومراتب:
١ - توكل الأولياء: فأولياء الله وخاصة المؤمنين هم الذين يتوكلون على الله في الإيمان ونصرة الدين، وجهاد الأعداء، وفي جميع أمره ونهيه. وهذا هو التوكل الحق، وهو أفضل التوكل وأكمله
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (١/ ١٢٨).
(٢) أخرجه أحمد في المسند، (١/ ٣٣٢/ ح ٢٠٥)، والترمذي في السنن، (٤/ ٥٧٣/ ح ٢٣٤٤)، وابن حبان (٢/ ٥٠٩/ ح ٧٣٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (ح ٥٢٥٤).
[ ٢٣٧ ]
وهو توكل الأنبياء والصالحين وهو الذي يحبه الله ويرفع أهله في أعالي الدرجات.
٢ - توكل المؤمنين: من يتوكلون على الله في استقامة النفس وحفظ الحال. وهو توكل يقبله الله ويجازي عليه بقدر توكل صاحبه.
٣ - توكل العامّة ومن دونهم: فمنهم من يتوكل على الله في الرزق بأنواعه، والله يجازي عليه بقدر توكل صاحبه، ولكنه توكل ناقص فالتوكل يعلو بحسب علو همّة صاحبه، فمن الناس من يتوكل في إقامة الدين، ومنهم من يتوكل في طلب الرغيف والطحين، والمطلوب التوكل على الله في كل آن وحين.
٤ - توكل المفرّطين: وهو توكل المفرطين والجهلاء فقد بلغ بهم جهلهم أنهم يتوكلون على الله في حصول الإثم والفواحش فيستعينون بالله على المعاصي، ويلقون بأنفسهم في المهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويحفظهم وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (^١). ومن صدق توكله على الله في حصول شيء فإنه يناله، فإن كان هذا الشيء مما يحبه الله ويرضاه انتفع بتوكله من جهتين: في نيل ما توكل فيه وفي العاقبة المحمودة بسبب توكله فيما يرضي الله. وإن كان الأمر مباحًا حصلت له بتوكله منفعة التوكل فقط وتيسير الحصول عليه.
_________________
(١) ينظر أسماء الله الحسنى لابن القيم ص: ٤٦٤.
[ ٢٣٨ ]
وإن كان التوكل فيما لا يحبه الله ولا يرضاه فإن الله ييسره له وكان حاصل توكله وما تحقق له مضرة عليه (^١).
وللتوكل آفات تعوقه وتضعفه
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
فتحقيق الحسب بقدر قوة التوكل وبذل أسبابه وموجباته وأن يخلو من آفات ثلاث:
ـ ١ - التفات القلب إلى قضية التوكل وذات المتوكل والانشغال بذلك عن الوكيل.
ـ ٢ - التفات القلب إلى السبب والانشغال بأنواعه وأبوابه عن المسبب.
ـ ٣ - التفات القلب إلى ترقب النتائج وشغل الفكر بها بدلًا من الانصراف للواجبات وسائر العبادات مما يقوّي التوكل ويزيده فاعليّة (^٢).
* * * *
_________________
(١) ينظر المصدر السابق ص: ٤٤٦. ومدارج السالكين (٢/ ١١٤).
(٢) ينظر مدارج السالكين (٢/ ١٣٦).
[ ٢٣٩ ]