قال ﷿: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
والتقوى هي: " العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالأمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا من وعيده" (^١).
فالتقوى تستلزم الحرص على أداء الفرائض واتقاء المحارم ومراقبة الله في السرّ والعلن وفي جميع الأقوال والأفعال.
فكل من اتقى الله في أمر فإن الله وعد بقبوله، فإن كان ذلك ديدن العبد وسجيته تقبله الله في عباده الصالحين، وقد أمر الله بتقواه ومخافته في كثير من الآيات ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقال ﷻ:
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١].
_________________
(١) زاد المهاجر إلى ربه لابن القيم ص: ٣٠١.
[ ٢٢٢ ]
وبشر المتقين بعلامات القبول ومنها:
البشرى بالفلاح وهو الفوز والنجاح إن امتثلوا واتقوا (^١) فقال جل وعلا:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وبشرهم بمعيته الخاصة بالحفظ والتأييد والنصرة:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
والرحمة الخاصة التي يشعر بها العبد ويستشعر خَفيّ اللطف والتيسير للخير ودفع الشر والمكروه قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
وغفران الذنب ودخول الجنة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥].
وفتح أبواب النعم وأنواع الرزق والخيرات وسائر البركات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وفتح النعم ليست علامة بحد ذاتها ولكنها قد تكون نتيجة للتقوى.
والإنعام بالعلم والإرشاد والبصيرة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري (٧/ ٢٠٥)، وتفسير المنار (٢/ ١٦٧).
[ ٢٢٣ ]
وتقوى الله لها ثلاث مراتب:
أ ــ التقوى من الإشراك بالله والأعمال الموجبة للنار قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
ب ــ الحذر من المكروهات والمشتبهات كما صحّ عن النبي ﷺ: (فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (^١). وكما قال ابْنُ عُمَرَ ﵁: (لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ) (^٢).
ج ــ التقوى عن كل ما يلهي عن الله ويشغل عن عبادته، ويدخل في هذا الإسراف في تعاطي المباحات والانشغال بالأمور الدنيوية (^٣).
قال ابن رجب: "وأصلُ التَّقوى: أن يعلمَ العبدُ ما يُتَّقى ثم يتَّقِي" (^٤). والمقصود أن أصلها المعرفة والعلم بحقيقة الأمر والنهي والامتثال له.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٠/ ح ٥٢)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٠) ليس لهذا الحديث رقم.
(٣) ينظر روائع التفسير لابن رجب (١/ ٣٦٤).
(٤) ينظر فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب (٥/ ٧).
[ ٢٢٤ ]
"وقال معروف (^١): إذا كنت لا تحسن تتقي: أكلت الربا. وإذا كنت لا تحسن تتقي: لقيَتْك امرأة فلم تغض بصرك. وإذا كنت لا تحسن تتقي: وضعت سيفك على عاتقك أي: شهرت سيفك وقاتلت في الفتنة" (^٢).
فالله تعالى أمر عباده بطاعته، ووعد من امتثل أمره برضوانه وبجنته، توعّد من خالف أمره بسخطه ونقمته. والتقوى لا تحصل بالأعمال الظاهرة إنما تكون بما يقع في القلب من تعظيم الله وخشيته (^٣)، ولذلك قال الرسول ﷺ: (التَّقْوَى ههُنَا) ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٤).
فالعباد المتقون هم الذين يتقون الله في كل شيء ويقدّمون مخافته عند كل عمل.
فأولئك يقدّمهم الله يوم القيامة على غيرهم ويرفع منزلتهم فوق منزلة الآخرين كرامة لهم من الله وتشريفًا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٣] أي "أَكْرَمُ الْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) مَعْرُوف بن فَيْرُوْزٌ الْكَرْخِي البَغْدَادِيُّ أَبُو مَحْفُوظ من أعلام العباد والزهاد من أهل الْعرَاق ومن رُفَقَاء بشر بن الْحَارِث، كان الإمام أحمد ابن حنبل في جملة من يختلف إليه، مَاتَ مَعْرُوْفٌ سَنَةَ مائَتَيْنِ. ينظر الثقات لابن حبان، (٩/ ٢٠٦)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٨٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ٢٦٩) ..
(٢) روائع التفسير لابن رجب (١/ ٣٦٤).
(٣) ينظر هامش صحيح مسلم، شرح محمد فؤاد عبد الباقي، (٤/ ١٩٨٦).
(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه، باب تحريم ظلم المسلم، (٤/ ١٦٩/ ح ٢٥٦٤).
[ ٢٢٥ ]
هُوَ الْأَطْوَعُ لِلَّهِ وَالْأَتْبَعُ لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ الْأَتْقَى، وَالْأَتْقَى هُوَ الْأَكْرَمُ " (^١). قال أهل التفسير (^٢) إن الأكرم عند الله هو أعظمهم شأنًا وأرفعهم منزلة عنده والمراد بـ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ أي: أبعدكم عن حظوظ نفسه، فالتقوى هي التحرّر من النفس وأطماعها وأهوائها، وأشدّكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه (^٣).
* * * *