قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
والقسط يأتي بمعنى العدل ويأتي بمعنى الجور، فهو من أضداد اللغة، وقَسَط قِسطًا أي عَدل عدلًا، وقَسط قُسوطًا أي جار جورًا، والمقسط هو العادل، والقاسط هو الجائر. ويقال أقسط وقسط إذا عدل. ففي العدل لغتان قَسَط وأقسَط وفي الجور لغة واحدة وهي قسَط ومصدرها القُسوط (^١).
والله تعالى يحب العدل وهو وضْع الشيء في موضعه. ويجازي على العدل بما لا يجازي على غيره، قال الرسول ﷺ: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) (^٢).
إن الله يحب الَّذين يعدلُونَ فِي أقوالهم فيقولون الحق، يعدلون في أفعالهم وتطابق أقوالهم أفعالهم. فالله تعالى هو الحكم العدل في أقواله وأفعاله ويقرب إليه من اتصف بالعدل والقسط ويجعلهم بأرفع مقام وأكرمه قال ﵊: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ …) وذكر منهم (إِمَامٌ عَادِلٌ) (^٣).
_________________
(١) ينظر لسان العرب (١١/ ١٦٠)، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للفارابي (٣/ ١١٥٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٥٨/ ح ١٨٢٧).
(٣) ينظر الحديث في صحيح البخاري (٨/ ١٦٢/ ح ٦٨٠٦).
[ ٢٤٠ ]
وبما أن الظلم ثلاثة كما في الخبر (^١) فمفهوم المخالفة يدل على أن القسط كذلك أنواعٌ ثلاثة:
١ - القسط مع الله تعالى: هو إفراده العبودية، فإن الشرك بالله أظلم الظلم قال تعالى:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ومن القسط مع الله وصفه سبحانه بما يستحق وبما هو أهله، وموافقة أمره والامتثال لنهيه، وتقديره حق قدره.
٢ - القسط مع النفس: وهو حفظها من الشرك والذنوب ووقايتها من عذاب الله، وعدم إلقائها في المهالك سواء في الدنيا أو في الآخرة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
٣ - القسط مع الغير: وهو ردّ الحقوق، والأمانة في المعاملات المختلفة، وقول الصدق والوفاء بالعهود … إلخ (^٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
_________________
(١) قال ﷺ: (الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: فَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ، وَظُلْمٌ يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ، فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَيقَتصُّ اللَّهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) السلسلة الصحيحة ١٩٢٧، وقال الألباني: حسن بشولهده (٣/ ٥٧٩/ ٢٢٢٣)، وحسن نحوه الألباني في صحيح الجامع (ح ٣٩٦١).
(٢) ينظر روح البيان (٩/ ٤٨١)، والتفسير الوسيط للقرآن الكريم (٢/ ١٠٠٤).
[ ٢٤١ ]
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وأفضل المقسطين هم الذين يحققون القسط بأنواعه الثلاثة فيقسطون مع أنفسهم ومع غيرهم ومع ربهم ﷾. فمن جاء بالعدل على وجهه المطلوب كان من المقسطين الذين امتدحهم الله تعالى واجتباهم وخصهم بالمحبة.
* * * *