أمر الله تعالى بالإنابة فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] وأثنى ﷾ على المنيبين إليه ووعدهم بالجنة حيث قال عزّ مِنْ قائل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ٣١ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣٢ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ٣٣ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ٣٤ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].
واختص خليله إبراهيم ﵇ بالثناء على هذه الصفة الكريمة فقال ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
والإنابة الرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة ولَا يُقَال لمن رَجَعَ إِلَى مَعْصِيّة إِنَّه أناب (^١).
وذكر ابن القيم أن لفظ (الإنابة) يوحي بالإسراع والتقدم فالمنيب هو المسرع إلى مرضاة ربه.
وقيل في الفرق بين التوبة والإنابة: أن التوبة هي الندم على ما سبق. والإنابة: ترك المعاصي في المستقبل (^٢).
_________________
(١) ينظر مختار الصحاح ص: ٣٢١، والفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص: ٣٠٣.
(٢) ينظر معجم الفروق اللغوية للعسكري ص: ١٤٦.
[ ٢٤٧ ]
قال الماوردي: "وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أنه القطع. ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله- ﷿ بالطاعة. والثاني: أن أصله الرجوع، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة " (^١).
وفي الاصطلاح: عرفها ابن القيم بأنها: "عكوف القلب على الله ﷿ كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله" (^٢).
وبين ابن القيم أن الإنابة إنابتان:
الأولى: إنابة ربوبية: وهي إنابة المخلوقات كلها لله والبشر مؤمنهم وكافرهم فكلهم يرجعون إلى الله عند الاضطرار، وعند الخوف والحاجة إلى ذي قوة قال تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣].
الثانية: إنابة ألوهية: وهي إنابة عبودية ومحبة، وهي إنابة أوليائه المؤمنين إليه وتتضمن أمورًا أربعة: وهي محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
_________________
(١) تفسير الماوردي (٤/ ٣١٣).
(٢) الفوائد ص: ١٩٦.
[ ٢٤٨ ]
والإنابة رجوع عن ثلاثة أشياء مُلخّصها:
١ - رجوع إصلاح عما بدر واعتذار.
٢ - رجوع إلى العهد وفاء.
٣ - رجوع استجابة، ورجوع حال وامتثال (^١).
إذن فالإنابة للسائر كمن ضلّ الطريق ثم لاح له نور الهداية فالتفت إليه، فهي الالتفات إلى الله عزوجل، والرجوع إليه، ودعوة السائرين للعودة، مع الإسراع والإقبال والدخول إلى حظيرته والتزام بابه ويتجلى ذلك في قوله تعالى عن داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
ومن الفئات الذين خصهم الله تعالى بالقبول الأوابون وقد وصف بها بعض أنبيائه فقال في سليمان ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].
كما أجمل الله تعالى في كتابه الكريم عددًا من الصفات التي يحبها في عباده في الآيات
_________________
(١) ينظر مدارج السالكين (١/ ٤٣٢).
[ ٢٤٩ ]
التالية فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ٣٥﴾ [الأحزاب: ٣٥].
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٦ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧].
وقال ﷻ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].
وكلما جمع العبد من صفات هذه الفئات، فكان محسنًا تائبًا منيبًا طاهرًا إلى آخر تلك الصفات كان مقامه أكرم وأرفع وأشرف وهو مقام الأنبياء والصديقين والصالحين نسأل الله من فضله.
* * * *
[ ٢٥٠ ]