٣ - إقامة الحدّ فيما يقتضي ذلك مانع للعقوبة إلا لمن أقيم عليه الحدّ ولم تصدق توبته قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ
لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
ومؤخرات القبول كثيرة وهي موجبة للعقوبة إذا مات قبل التوبة منها إلا أن يعفو الله عنه، فهو تحت المشيئة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
١ - الغيبة والنميمة قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
فالغيبة: كما عرّفها الصادق المصدوق ﵊ فقال: (أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ذكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كان فيه ما تقولُ، فقد اغتبتَه. وإن لم يكنْ فيه، فقد بهتَّه) (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، (٤/ ٢٠٠١/ ح ٢٥٨٩).
[ ١٢٤ ]
أما النميمة: فهي نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ (^١) قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَّشَّاءِ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]. وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
فهاتان الصفتان الذميمتان من الداء الذي تفشى بين كثير من الناس، يجلدون غيرهم بألسنة حداد، ويتلمّسون لهم المطاعن، ويتلقفون الخبَر عن أعراضهم يطيرون به يحدّثون الناس، ويتفكهون به في المجالس وكأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى
: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ١ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ٢ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ٣ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ٤ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ٥ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ٦ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ٧ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ٨ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ [الهمزة: ١ - ٩]. قال أهل التفسير: الْهَمْزَةُ الَّذِي يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ وَيَغْتَابُهُمْ، واللمزة الطَّعَّانُ عَلَيْهِمْ. وقيل: الْهُمَزَةُ الَّذِي يَهْمِزُ النَّاسَ بِيَدِهِ ويضربهم، واللمزة الَّذِي يَلْمِزُهُمْ بِلِسَانِهِ وَيَعِيبُهُمْ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ
_________________
(١) ينظر تهذيب اللغة (١١/ ١٨٣)، والصحاح تاج اللغة (٥/ ٢٠٤٥)، وأساس البلاغة (٢/ ٣٠٦)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١١٢/ ح ١٠٥).
[ ١٢٥ ]
لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ (^١)، وفي الحديث قِيلَ لِلنَّبِيّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، قَالُوا: وَفُلَانَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) (^٢) فالغيبة والنميمة من الكبائر الموجبة للتوبة والمستحقة لعذاب القبر (^٣) وسوء الخاتمة عياذًا بالله لقول النبي ﷺ حينما مرّ بقبرين: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) (^٤). وإن كان بقي من الحسنات ما لم تفسده السيئات فإنها تُحسب بعد الخروج من النار لأنها من أهل التوحيد ولا يحبط العمل جميعه إلا الكفر. قال ابن تيمية: "وَلَا يُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ إلَّا الْكُفْرُ. كَمَا لَا يُحْبِطُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ إلَّا التَّوْبَةُ. فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ " (^٥).
_________________
(١) ينظر تفسير البغوي (٥/ ٣٠٣)، وتفسير الطبري (٢٤/ ٥٩٧)، وتفسير السمعاني (٦/ ٢٨٠)، وتفسير ابن جزي (٢/ ٥١٢).
(٢) أخرجه البخاري في الادب المفرد، (١/ ٥٤/ ح ١١٩) وقال الألباني: " إسناده صحيح " في السلسلة الصحيحة، (١/ ٨٦/ ح ٤٤٩) ومعنى الأثوار جمع ثور وهي القطعة ولعل المعنى يدلّ على قلة ما تتصدق به. ينظر النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٢٨).
(٣) ينظر إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (١/ ٣٦٣).
(٤) ينظر الحديث بتمامه في صحيح البخاري (١/ ٥٣/ ح ٢١٨).
(٥) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٣٢٣).
[ ١٢٦ ]
وفي قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [آية: ١١] إشارة إلى أمرين: فالأول: إشارة إلى عمق أواصر الأخوة، فلمز الشخص غيره في الحقيقة هو لمزٌ لنفسه وقدحٌ فيها.
والثاني: أن مَنْ لمزَ غيرهُ لمزهُ الناس ولو بعد حين جزاءً وِفاقا (^١).
والنميمة من أسباب عذاب القبر ودخول النار ووتأخير القبول فصاحبها من شرار الناس عند الله، قال يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ (^٢): النَّمَّامُ شَرٌّ مِنْ السَّاحِرِ يَعْمَلُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يَعْمَلُهُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ. وقيل عَمَلُ النَّمَّامِ أَضَرُّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، لِأَنَّ عَمَلَ الشَّيْطَانِ بِالْخَيَالِ وَالْوَسْوَسَةِ. وَعَمَلَ النَّمَّامِ بِالْمُوَاجَهَةِ وَالْمُعَايَنَةِ (^٣).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] وَإشاعتهم للفاحشة هو
أَنْ بَعضهم كَانَ يلقى بَعْضًا فَيَقُول لَهُ: أما بلغك كذَا وَكذَا .. (^٤) وهذا لا شك هو النمّ سواء
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٣/ ٥٤٨).
(٢) هو أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي الأسيدي المروزي، وُلد في خلافة المهدي العباسي، وكان عالمًا بالفقه بصيرًا بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي،. كان على مذهب أهل السنة، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما. ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة ونحوها رحل في طلب الحديث، وروى عنه الترمذي والبخاري وأبو حاتم وآخرون، وكان من أئمة الاجتهاد. ٢٤٢ هـ ينظر وفيات الأعيان (٦/ ١٦٤)، وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٠١).
(٣) ينظر تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمر قندي ص: ١٧١.
(٤) ينظر تفسير السمعاني (٣/ ٥١٢)، وتفسير السعدي ص: ٥٦٣.
[ ١٢٧ ]
كان الخبر صحيحًا أو كاذبًا فإن في نشره إشاعة للفاحشة وإضرار بالعباد وقال النبي ﷺ: (أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ) (^١) والبرآء جمع بريء والمراد طلب المشقة والهلاك للبريء (^٢). وفي الحديث أنه ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) (^٣). وقال ﷺ: (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ) (^٤) والقتات هو النمّام (^٥) كما فسرتها رواية مسلم (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ) (^٦)، والمعنى أي لا يدخلها مع أول الداخلين بل بعد استيفاء العقوبة فقد يدخل بسببها النار حتى يستوفي ما عليه منها نسأل الله السلامة (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١/ ١١٩/ ح ٣٢٣)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٢٤٦).
(٢) ينظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٧/ ٣٠٥٥/ ح ٤٨٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول (١/ ٥٣/ ح ٢١٨)، وأخرج نحوه مسلم في صحيحه (١/ ٢٤٠/ ح ٢٩٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٧/ ح ٦٠٥٦). ورواه مسلم في صحيحه (١/ ١٠١/ ح ١٦٩).
(٥) ينظر التعريفات للجرجاني (١/ ١٧٢).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٠١/ ح ١٦٨).
(٧) ينظر تسهيل العقيدة لعبد الله الجبرين ص: ٢٨.
[ ١٢٨ ]