قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] قال المفسرون: يجادلون بغير حجة ولا برهان، فيكذّبون آيات الله ويجحدونها، فكبر جدالهم مقتًا لهم من الله، وجزاؤهم الطبع على قلوبهم وهو الختم بالكفر والضلالة (^٣). ويشتمل ذلك على التقول على الرسول الكريم والجرأة على الدين فكلها فرع عن التقول
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه ابن ماجة في السنن، (٢/ ٩٠٥/ ح ٢٧١٢)، وأبي داود في مسنده، (٢/ ٥٤٣/ ح ١٣١٣)، والدارمي في السنن، (٤/ ١٨٩١/ ح ٢٩٠٦)، وقال الألباني: "صحيح" في صحيح ابن ماجة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، (٤/ ١٨٠/ ح ٣٥٠٨)، وأخرج نحوه مسلم في صحيحه (١/ ٧٩/ ح ٦١).
(٣) ينظر تفسير الخازن (٤/ ٧٤)، وتفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٥)، والتفسير الوسيط للواحدي (٤/ ١٢).
[ ١٤٠ ]
على الله وقد قال الرسول ﷺ: (مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (^١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
فالتقوّل على الله ورسوله، من أقبح أعمال الشرّ التي لا يقبلها الله، ويكبُر مقته عليها، وقد حذر المولى سبحانه في محكم كتابه من مغبّة ادعاء ما ليس للإنسان به علم فقال جلّ من قائل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال الرسول ﷺ لمعاذ حينما سأله قائلًا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، (١/ ٣٣/ ح ١٠٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه بلفظ (من كذب علي …) مقدمة الإمام مسلم، باب في التحذير من الكذب على رسول الله (١/ ١٠/ ح ٣).
(٢) أخرجه ابن ماجة في السنن، (٢/ ١٣١٤/ ح ٣٩٧٣)،، وأحمد في المسند، (٣٦/ ٣٤٥/ ح ٢٢٠١٦)، والترمذي في السنن (٥/ ١٢/ ح ٢٦١٦)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٩٩/ ح ٢٥٤٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٧٣/ ح ١٣٧)، وقال الألباني: "صحيح" في صحيح ابن ماجة.
[ ١٤١ ]
وهنا أمرٌ ينبغي التفطّن إليه، والتنبّه له فكم من متساهل ومترخّص في التقول على الله، وكم ممن طعن في الكتاب والسنة إما بجهل حائر، أو بسوء قصد جائر، أو بمجرد الرأي وادعاء العقل والمنطق ممن امتلأت بهم الصحف والكتب ووسائل الاتصال، قال أبو بكر الصديق ﵁: (أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إذَا قُلْتُ عَلَى اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ) (^١) وقال القاسم بن محمد (^٢): (مَا نَعْلَمُ كَثِيرًا مِمِّا يَسْأَلُونَا عَنْهُ، وَلأَنْ يَعِيشَ الْمَرْءُ جَاهِلًا، إِلاَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى اللهِ بِمَا لَا يَعْلَم) (^٣).
فخير للمرء أن يتوقف حيث وقف به علمه، وألا يتجاوز في التقول على الله، وادعاء ما ليس له به علم. وأن يسلّم بالعقل ما ثبت بالنقل.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ١٦٦/ ح ٢٠٧٩) ورواه البيهقي في الشعب (٣/ ٥٤٠/ ح ٢٠٨٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ١٣٦/ ح ٣٠١٠٧).
(٢) هو القاسم بن مُحَمَّد بن أَبي بكر الصديق القرشي التَّيْمِيّ، أبو مُحَمَّد، ويُقال: أبو عَبْد الرَّحْمَنِ المدني تابعي جليل روى عن كثير من الصحابة وكان ثقة، وكان رفيعا، عالما، فقيها، إمامًا، ورعًا، كثير الحديث. قليل الفتيا مات في ولاية يزيد بْن عَبد المَلِك بعد عُمَر بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ سنة إحدى أو اثنتين ومئة. ينظر تهذيب الكمال (٣٣/ ٤٣٥).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ١٦٦/ ح ٢٠٨٠).
[ ١٤٢ ]