الترك نوعان: ترك كليّ لا يصليها أبدًا فهذا يحبط العمل جميعه وترك معين في يوم معين فهذا يحبط عمل ذلك اليوم فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين" (^١).
١٢ - من أمّ قومًا وهم له كارهون: وفي الحديث: (ثلاثةٌ لا تجاوِزُ صلاتُهُم آذانَهُم: العبدُ الآبقُ حتَّى يرجِعَ، وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخِطٌ، وإمامُ قومٍ وَهُمْ لَه كارِهونَ) (^٢).
قال أهل العلم: المراد بالإمامة هي الإمامة الكبرى وهي الحكم والسلطان، وقيل: هي الإمامة في الصلاة والمعنى أنهم كَارِهُونَ لِبِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ أَوْ جَهْلِهِ، أَمَّا إِذَا كانت الكَرَاهَةٌ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَلَا يُعتدّ بذلك. وفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أن المعنيّ بالحديث هو الإمام الظالم، وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ السُّنَّةَ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، وَقِيلَ: هُوَ إِمَامُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (^٣) وقَالَ أَحْمَدُ، ﵀: "إذَا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَا بَأْسَ، حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهَهُ الْقَوْمُ لِذَلِكَ، لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ" (^٤).
* * * *
_________________
(١) الصلاة وأحكام تاركها لابن القيم ص: ٦٥.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن (٢/ ١٩٣/ ح ٣٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى، (١/ ٥٧٣/ ح ١٨٣٠)، وابن أبي شيبة، (٣/ ٥٥٨/ ح ١٧١٣٨)، وقال الألباني: "حسن. " في صحيح الترمذي.
(٣) ينظر مرقاة المفاتيح (٣/ ٨٦٥).
(٤) المغني لابن قدامة (٢/ ١٦٩).
[ ١١٨ ]
مما سبق من أقوال العلماء نخلص إلى أن محبطات القبول ثلاثة مراتب:
أولًا: حبوط كلي لجميع الأعمال، وخلود أبدي وذلك لا يكون إلا بالخروج عن الملة.
ثانيًا: حبوط جزئي، بإبطال عمل بعينه أو فقد ثوابه مع إجزائه، وذلك بسبب سيئات تحبط ما قابلها من حسنات وقد سبق ذكرها في محبطات عمل بعينه.
ثالثًا: حبوط مؤقت، وهو ما يمكن أن يسمى بمؤخرات القبول وهو ما يكون في كبائر قد لا تكفرها الحسنات وتستوجب العقاب الأخروي عند عدم التوبة ولكن لا تحبط كليًا بقية أعماله بل يحسب ثوابها بعد انتهاء العقوبة إن لم يعف الله عنه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فالمدخل الكريم هو ما لا عذاب ولا حساب يسبقه والله أعلم.
وقال النبي ﷺ: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) (^١). قال ابن تيمية "فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ إذَا أَتَى بِحَسَنَاتٍ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٢٠٩/ ح ٢٣٣).
[ ١١٩ ]
يَبْتَغِي بِهَا رِضَا اللَّهِ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعُقُوبَةِ عَلَى كَبِيرَتِهِ" (^١).
وفي قوله ﷺ: (ما اجتنبت الكبائر) "قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر. أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات هذا ما يتعلق بالكبائر. " (^٢).
فقد تضمنت نصوص الوعيد في القرآن والسنة أنواعًا من العقوبة التي تنخلع لها القلوب، وترجف لهولها الأبدان، وذلك لمقترف الكبيرة كالخلود في النار، وتضمنت بعض النصوص في السنة نفي الإيمان عن صاحبها، والبراءة بما أنزل على محمد ﷺ أو الوعيد بالنار أو اللعنة أو الغضب أو المقت أو السخط أو حبوط العمل أو ما شابه ذلك من ألفاظ وردت في الكتاب والسنة، ولكن ثمة موانع ذكرها الشارع نفسه وهي أن الإيمان بالله يقتضي منع الخلود.
فكفر صاحب الكبيرة كفر عملي لا اعتقادي (^٣) وقد حمل العلماء الوعد بالخلود بسببها على المكث الطويل الذي لا يعلم مداه إلا الله، وهو تعبير سائغ في كلام العرب وكما قال
_________________
(١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٥/ ٢٧٧).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية للبراك ص: ٢٥٤.
(٣) ينظر موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (١٠/ ٤١١).
[ ١٢٠ ]
تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ
مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فمن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه يخرج ولو بعد حين (^١) قال ابن كثير: "عنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَان، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي سِنَان، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ عَلَى العُصاة مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، مِمَّنْ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ الشافعين" (^٢).
فإن مات العبد على كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم يتب منها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه فدخل الجنة مع أول الداخلين، وإن شاء آخذه على ذنبه فأخر دخوله، فيعذب بقدر ذنوبه ثم يُدخل الجنة بعد ذلك فيكون من الجهنميين (^٣) فيترتب على المؤاخذة العذاب والانتقام المستلزم لتأخير القبول حتى يلقى جزاء جُرمه وذلك بحسب عظم خطيئته. وهذا ما هو ما نسميه بمؤخرات القبول.
_________________
(١) ينظر مرقاة المفاتيح (٦/ ٢٢٦٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٣١٥).
(٣) وهم المعنيون في الحديث: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ) جمع جهنمي نسبة إلى جهنم والمراد أنهم عتقاء الله تعالى، ثم يَدْعُونَ اللَّهَ فَيُذْهِبُ عَنْهُمْ هَذَا الِاسْمَ (فتح الباري (١١/ ٤٢٩/ ح ٦٥٥٩) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، (٨/ ١١٥/ ح ٦٥٥٩).
[ ١٢١ ]