وهي النعمة التامة المطلقة: لأن فيها صلاح الدنيا والآخرة ومن عمل بها كان مع الذين قربهم الله من أوليائه وهم مراتب السعداء الأربعة في الآية السابقة: (النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (^١).
وهي النعمة الباقية: لأنها ممتدة الأثر، باقية الثمر حتى تصل بصاحبها إلى الجنة حيث الخلد والمستقر.
ولما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أتبعها بقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ دلالة على أن الإنعام بطاعة الله ورسوله ﷺ ولزوم هدْيِه هو الخير الذي ينبغي طلبه، والأمر الذي يجب نُشدانهُ والتعلق به، فمن تفضّل الله به عليه فهو الفضل الذي لا عِدل له، والنعمة التي لا تعدلها نعمة على الإطلاق قال ﷾:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
٢ - الخلوص من الشرك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. أي لا يحصل الأمن من سخط الله وعقابه ومن فزع يوم القيامة ولا يكون الاهتداء إلى الصراط المستقيم إلا لمن لم يلبس إيمانه بظلم.
_________________
(١) ينظر مفتاح دار السعادة لابن القيم ص: ٧٨.
[ ١٩١ ]
ومعنى اللبس في ﴿يَلْبِسُوا﴾ هو الخلط والممازجة (^١) والظلم المقصود هو الشرك مع الله وهو الشرك الاعتقادي، لا ظلم النفس بالمعاصي (^٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهذه بلا شك أهم سمات المقبولين، وهؤلاء هم أهل الاصطفاء والقبول العام وهم الطوائف الثلاثة الذين قال الله تعالى فيهم (^٣): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
فالخلوص من الشرك قيامٌ بحق الله تعالى وتوحيدٌ له الذي لا يقبل الله معه العمل ولا العبد كائنًا ما كان. ويدخل في هذا الشرك اليوم التوجه إلى غير الله في طلب كشف الكربات وقضاء الحاجات، وتعليق التمائم وغير ذلك، لأنه توجهٌ بالعبادة إلى غير المعبود الحقّ مما يعدّ سالبًا للأمن، المقصود في الآية رافعًا للهداية (^٤).
كما يدخل في الشرك بالله بعض البدع التي تصاحب الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وما يكون فيه
_________________
(١) ينظر المفردات في غريب القرآن ص: ٧٣٥، (١/ ٤٦٤).
(٢) ينظر تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٣٣٣)، وتفسير السمر قندي (١/ ٤٦٤).
(٣) ينظر الإيمان لابن تيمية ص: ٦٨.
(٤) ينظر تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الوهاب ص: ٤٩.
[ ١٩٢ ]
من شركيات وغلوّ في مدحه والاستغاثة به فمن البدع ما يدخل في الاعتقاد ويقدح في التوحيد.
ولا بد من ذكر الشركيات الحديثة التي روج لها العلم الحديث، ومن العلوم الطبية المزعومة (علم الطاقة) والذي يعدّ تطويرًا وتطبيقًا بأسلوب حديث وثوب جديد للتنجيم، ويتلخص في الاعتقاد بوجود طاقة كونية إلهية ثنائية القوى تحيط بالكون، وتؤثر في الأشياء وتعد معرفتها وطرق اجتلابها طريق سعادة المرء ونجاحه في كل مناحي الحياة. وهذه الطاقة تتركز بزعمهم في الأشياء من حولنا كالأحجار الكريمة والألوان المختلفة، والأشكال الهندسية وغير ذلك فيدعون الاستشفاء بها (^١).