ولا يخفى على الناظر إلى العالم اليوم ما انتشر في مختلف الأوساط وعلى قنوات التواصل المجتمعي والإعلامي كالشبكات والفضائيات وغيرها من مظاهر البعد عن الدين، ومحاولة لطمس معالم الشريعة، واستعراض النظّار والفلاسفة ومن لا دين لهم ما ران على قلوبهم من جهالة وضلال، وانتشار الإلحاد والعلمانية والعقلانية وغيرها من المسميات الحديثة، لهي فتنٌ محيقةٌ بالمسلم، مركّبةٌ من أمشاج مختلفة، من علوم وفلسفات، تلبّس على المسلمين أمور دينهم
_________________
(١) ينظر أصول الإيمان بالغيب وآثاره للدكتورة فوز كردي ص: ٤٣٣ - ٤٣٦.
[ ١٩٣ ]
تحت مسميات العلم والتجديد ولغة العصر والثقافة والوعي الكاذب، وهي فتن هوجاء تعصف بالشباب، وتقوّض بيوتًا قامت على الجهل وقلة في الدين وغفلة عن يوم الحساب. فيجدر بالمسلم أن ينشد العلم والفقه وأن ينهل من الماء الرقراق من جداوله الصافية، والتمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة، وأن يسوق عقله إلى مواطن الحكمة ويبعُد به عن سفسطات ما ينشُره الملبّسون وشِقشقات ألسنتهم. حفظًا لدينه وتحرزًا لصفاء عقيدته، قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. قال ابن القيم في نونيته:
والله ما خوفي الذنوب فإنها … لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من … تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها … لا كان ذاك بمنة الرحمن (^١)
فالدين هو الحصن المنيع الذي يدّرئُ المسلم به، وينشُد به القبول عند ربه، وحتى لا يكون الحديث في فضاء العموم ومساحة الإجمال فيحسن التعريج في الهامش على بعض هذه المصطلحات والمفاهيم الحديثة البعيدة كل البعد عن الدين وعن القبول ومنها على سبيل المثال
_________________
(١) متن القصيدة النونية لابن القيم ص: ٣٥٥.
[ ١٩٤ ]
العَلمانية والعقلانية والوجودية (^١).
وهناك العديد من المذاهب المعاصرة والحركات والدعوات وغيرها تصرح بالإلحاد والردة والحرية الفردية نشطت في العالم العربي تحت مسمى النهضة وحرية الفكر والدعوة إلى المنطق وغير ذلك من المسميات المضللة، والمصطلحات البرّاقة التي تميل إليها العقول الخاوية، والنفوس
_________________
(١) - العَلمانية: بفتح العين وهي (اللادينية) أو (الدنيوية) وما لا صلة له بالدين، ويتضح ذلك من تعريف دوائر المعارف الأجنبية للكلمة فتقول دائرة المعارف البريطانية: "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها". وتعرفها دائرة المعارف الأمريكية: " هي: نظام أخلاقي أسس على مبادئ الأخلاق الطبيعية ومستقل عن الديانات السماوية أو القوى الخارقة للطبيعة .. ". هذه هي العلمانية في أحد أثوابها ومنها ما لم يصل لحد الخروج عن الدين ويتمثل ذلك في بعض الجهلة من المسلمين الذين تبنّوها وساروا وراءها. ينظر العلمانية وموقف الإسلام منها لحمود الرحيلي ص: ٣٣٤
(٢) العقلانية: هي منهج فكري فلسفي يعتمد على تحكيم العقل، من غير الاستناد إلى الدين أو التجربة، فكل ما يحيط بنا مردود إلى مبادئ عقلية. والعقلانية درجات قد يوغل فيها المرء حتى تخرجه عن الدين بالكلية عياذًا بالله. ينظر الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية ص: ٣٣٩.
(٣) الوجودية: مذهب يقوم على إبراز قيمة الوجود الفردي، وخصائصه، وينظر إلى الإنسان على أنه وجود لا ماهية، وأن له مطلق الحرية في الاختيار، فهو يصنع نفسه بنفسه، ويملأ الوجود على النحو الذي يلائمه. ويرى سارتر - وهو من رواد الوجودية الإلحادية - أن قوله: "الإنسان حر" مرادف لقوله: "إن الله غير موجود"، لأن وجود الإنسان في اعتقاده لا يخضع لماهية، أو هيمنة ما، أو شيء محدد. ينظر الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية ص: ٣٣٩.
[ ١٩٥ ]
الساهية الجافية، نسأل الله السلامة والعافية.
* * * *
وإجمالًا لما سبق، فهذه ثلاث سمات عامة كلية يتفاوت الناس في مراتبها، فبالنظر إلى طاعة الله ورسوله ﷺ نجد أن الناس يتفاوتون في تحقيقها، وكلما ارتقى العبد في تحقيق الطاعة لله ورسوله ارتقى عند الله في معارج القبول، فالطائعون بعامة لهم سمتان رئيستان تندرج فيهما كل السمات فهم يتصفون بالإيمان الحقيقي وكذلك الإحسان، أما صفة الإسلام وحدها فلا يُسمى العبد بها طائعًا كما سيأتي التفصيل في آية الأعراب (^١) بدليل قوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]. فالإيمان والإحسان سمات كليّة يتصف بها العبد من حيث إنها تستغرق جميع أنواع العبادات والمعاملات والأخلاق وهي الباعث لجميع السمات الحسنة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون عموم الناس محسنين بل فيهم مؤمن غير محسن فالإحسان أخصّ من حيث العمل به وتطبيقه فالمحسنون فئة منّ الله عليها بهذه الخصيصة.
وكذا نجد أن الخلوص من الشرك، والحرص والثبات على الدين تنشأ عن تطبيقهما سمة أخرى
_________________
(١) ينظر منازل المقبولين ص: ١٩٩.
[ ١٩٦ ]
كلية وهي سمة التقوى (^١) ويتفاوت الناس في تحقيقها كذلك ويترقّون في معارجها.
وكما قيل في الإحسان من حيث الخصوص والعموم يُقال في التقوى ولذلك ذكرتهما في القبول الخاص لأفراد وفئات في منازل المقبولين، فالتقوى كالإحسان من حيث أنها تستغرق جميع أنواع العبادات والمعاملات والأخلاق، فالتقوى أخص من الإيمان من حيث العمل بها وتطبيقها، فقد يتقي العبد ربه في أمور ويفرط في أخرى، لكن لا يكون مؤمنًا بأمور من الدين كافرًا بأخرى.
والذي يظهر أن الفرق بين الإحسان والتقوى وكلاهما عام مستغرق جميع مناحي الدين والحياة ولكن التقوى هي الإتيان بالعمل على وجه الإجزاء على الغالب، اتقاء للمساءلة ودفعًا للعقاب، أما الإحسان فهو ما كان الإتيان به على وجه الكمال والتمام حبًا للوصول إلى أعلى المراتب.
* * * *
_________________
(١) هذا لا ينافي تغاير معنى التقوى بحسب السياق، قال ابن جزي: " درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة " تفسير ابن جزي (١/ ٦٩)، ولعله يعني بمقام المشاهدة الإخلاص ودوام استحضار مراقبة الله له ومشاهدته لعمله.
[ ١٩٧ ]