والتألي في اللغة هو الحلف والإقسام على الله (^٢).
والتألي على الله يحبط العمل ويبطله لأن فيه تدخلًا من العبد فيما ليس له وادعاء ما لا يعلمه.
_________________
(١) ينظر تفسير القرطبي (٧/ ٣٨٠).
(٢) القسم على الله على قسمين: جائز وممنوع: ١. أما الممنوع فهو ما كان في مقام التألِّي على الله - سبحانه - بدافع الجهل، والتكبر، والعُجب، والخِفَّة، والطيش. وقد ثبت فيه عن النبي من حديث جندب ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، حَدَّثَ -: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى (٤/ ٢٠٢٣/ ح ٢٦٢١). ٢. وأما الجائز، فهو من المسلم القانت لربه، الواثق بعطائه، المؤمن بقدره. ويدُلُّ عليه حديث: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، منهم: البراء بن معرور) (ينظر معجم المناهي اللفظية ص: ٥٣٧). ومن هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في بعض مغازيه لننْتصِرنَّ، فقيل له: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.
[ ١٣١ ]
قال تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. قال الطبري في تفسير الآية: " أَيُّهَا الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، أَهَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟ قَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَرَحَمْتُهُمْ بِفَضْلِي وَرَحْمَتِي، ادْخُلُوا يَا أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الْجَنَّةَ، لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ بَعْدَهَا مِنْ عُقُوبَةٍ تُعَاقَبُونَ بِهَا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ وَالْإِجْرَامِ" (^١)
فهؤلاء يتألَّون على الله ويقسمون بعدم حصول الرحمة لأهل الأعراف.
وقد ذكر الله تعالى تألي اليهود ونقمته عليهم كقوله عنهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، وهو تحكّم في ما هو من اختصاص الخالق، وتدخل في صفة الألوهية والربوبية بأن يقول فلان في الجنة وفلان في النار، وهذا يغفر الله له وهذا لا يغفر له. وينافي العبودية لله، وقد ذكر الله تعالى تألي المشركين كذلك إذ قال عز من قائل: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٢٣٤).
[ ١٣٢ ]
أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] (^١) فهم مع تفريطهم في حق الله يقطعون بأن لهم الجنة فردّ الله عليهم بأن لهم النار مآلهم ومآل أمثالهم من المفرطين.
وذكر تألي صاحب الجنة فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
عن ضمضم اليمامي (^٢) قال: " قال لي أَبو هُرَيْرَةَ: يا يَمامِيُّ، لا تَقولَنَّ لِرَجُلٍ: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لك، أو لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّة أَبَدًا. قلتُ: يا أَبا هُرَيْرَةَ، إِنَّ هَذِهِ لكَلِمَةٌ يَقولُها أَحَدُنا لأَخيهِ وَصاحِبِهِ إِذا غَضِبَ. قال: فَلا تَقُلْها، فإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: (كان في بني إِسْرَائيلَ رَجُلانِ، كان أَحَدُهُما مُجْتَهِدًا في الْعِبادَةِ، وكانَ الآخَرُ مُسْرِفًا على نَفْسِهِ، فكانا مُتَآخِيَيْنِ، فكان المجتهِدُ لا يزالُ يَرى الآخَرَ على ذَنْبٍ، فَيَقولُ: يا هَذا، أَقْصِرْ. فَيَقولُ: خَلِّني وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عليَّ رَقيبًا؟ قَالَ: إِلى أَنْ رَآهُ يَوْمًا على ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فقالَ لهُ: وَيْحَكَ، أَقْصِرْ. قال:
_________________
(١) وَفِي الْحسنى قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا البنون أي جعلوا لهم البنون والبنات لله، وَالْآخر: أَنَّهَا الْجنَّة أي قطعوا وجزموا بأن مآلهم إليها ينظر تفسير السمعاني (٣/ ١٨٢).
(٢) هو ضمضم بن الحارث بن جوس الهفاني اليمامي، رَوَى عَنْ: عَبد اللَّهِ بْن حنظلة بن الراهب الأَنْصارِيّ. وأبي هُرَيْرة ﵁، وغيرهم قال صالح بن أحمد بن حنبل، عَنْ أبيه: ليس بِهِ بأس. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات" ينظر تهذيب الكمال (١٣/ ٣٢٣).
[ ١٣٣ ]
خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا، قال: فقال: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لك، أَوْ لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّةَ أَبَدًا. قال أَحَدُهُما، قال: فبعث اللهُ إِلَيهِما مَلكًا، فقبض أَرْوَاحَهُما، واجْتَمَعا عندَهُ، فقال لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فادْخُلِ الجَنَّةَ برَحْمَتِي. وقال لِلآخَرِ: أَكُنْتَ بي عالِمًا، أَكُنْتَ على ما في يَدِي قادِرًا، اذْهَبُوا بهِ إِلَى النَّارِ. قال: فوالَّذي نفْسُ أبي الْقَاسمِ بِيَدِهِ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أوْبَقَتْ دُنْياهُ وَآخِرَتَهُ) (^١). فهذا الرجل استوجب النار، وبطل عمله، بسبب الكلمة التي قال وهي قوله:
"والله لا يغفر الله لفلان" (^٢).