تُسقط المساءلة عنها، ولكن لا ثواب فيها (^١)، وأي خسارة أكبر من أن يمكث العبد أربعين يومًا لا يجني ثوابًا من صلواته كلها فرضًا كانت أو نافلة، فسيئات أعماله اليومية تضاف إليه ولا مورد للثواب يُذكر، مما يعرّض حسناته للنقص وسيئاته للزيادة المسببة لاختلال ميزانه يوم الدين. وعلى الحديث الثاني فإنّ قوله ﷺ: (فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ) كفرٌ لا يخرجه من الملّة، ولكن يعرّضه للعذاب الأخروي وتأخير القبول وهو لعمر الله هولٌ وأي هول (^٢).
٥ - المرأة إذا تطيبت للخروج فوجد الرجال ريحها: قال تعالى آمرًا النساء بالتقوى: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] وهو أمر مطلقٌ في جميع الأحوال (^٣)، وخروج المرأة متطيبة، بعيد كل البعد عن تقواه، فهو مثارٌ لفتنة الرجال، وتحريكٌ لكامن الشهوات، وسببٌ للفت النظر إليها وحملهم على شمّ طيبها وهي أجنبية عنهم، وكعادة الشرع الحنيف في استئصال دابر الفتنة، والحفاظ على أخلاق المجتمع وطهارة أفراده، فقد حرّمه وغلّظ تحريمه، قال الرسول ﷺ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ، ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ
_________________
(١) ينظر تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر (٩/ ٦٣).
(٢) ينظر التحبير شرح التحرير لعلاء الدين الحنبلي (٣/ ١١٠٢).
(٣) ينظر التفسير الوسيط (٨/ ٢١٩).
[ ١٠٩ ]
حَتَّى تَغْتَسِلَ) (^١) وقال: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ) (^٢). وذكر الهروي (^٣) أن صلاتها لا تُقبل قبولًا كاملًا. وذكر صاحب التيسير أنها لا تثاب على الصلاة ولكن تجزؤها (^٤) وقال ابن حجر: "وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ صَحَّ عَلَى إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَنَفْيِ قَبُولِ صَلَاتِهَا إنْ صَلَّتْ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْغُسْلِ بَلْ إذْهَابُ رَائِحَتِهَا" (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة، (٢/ ١٣٢٦/ ح ٤٠٠٢)، وقال الألباني: "حسن صحيح"، في صحيح ابن ماجة.
(٢) أخرجه أحمد في المسند، (٣٢/ ٥٢٣/ ح ١٩٧٤٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٩١/ ح ١٦٨١)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الزنى وحده، ذكر وصف زنى الأذن … (١٠/ ٢٧٠/ ح ٤٤٢٤)، والبيهقي في شعب الإيمان، الحياء، (١٠/ ٢٣٥/ ح ٧٤٣٠)، والنسائي في السنن، (٨/ ١٥٣/ ح ٥١٢٦)، وقال الأرناؤوط في مسند أحمد: " إسناده جيد".
(٣) هو الحافظ أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن جعفر بن منصور بن مت الأنصاري الهروي، مصنف كتاب "ذم الكلام"، وشيخ خراسان من ذرية صاحب النبي ﷺ أبي أيوب الأنصاري. كَانَ يدعى شيخ الإسلام وَكَانَ إمام أهل السنة بهراة ويسمى خطيب أعجم لتبحر علمه وفصاحته ونبله مات سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. ينظر طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٧).
(٤) ينظر التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٤١٥).
(٥) الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ٧٣)، وهذا الحكم تمشّيا مع القاعدة التي تنص على أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
[ ١١٠ ]
وقال القاري (^١): بل حُكم عليها بالغسل كما يحكم على الجنابة زجرًا لئلا تعود للفعل (^٢).
ويجدر بنا الوقوف عند هذا الأمر هنيهة .. فكثير من النساء يحقِرن هذا الفعل، فقد لا تجد إحداهن غضاضة من مسحة طيبٍ تمسح بها جسدها أو ثوبها وهي خارجة لبعض شأنها، بل يحدث هذا في أوساط من نرى فيهن التزام شرائع الدين، فترى حجابها كاملًا ولكن رائحة العود وأنواع الطيب تفوح عند الاقتراب منها، فينبغي الحذر كل الحذر، فضياع صلاة واحدة أو الحرمان من ثوابها، خسارة لا غُنية عنها بسواها، وربما يحصل العذاب بسببها.