قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤].
[ ٢٥٩ ]
تتجلى رحمة الله تعالى وسعة عفوه في وعده عباده بالعفو عن الزلات، وحثّهم على الإقبال عليه بالتوبة والإنابة، وكتاب الله زاخر بآيات الرجاء والعفو وذِكر أسماء الله وصفاته الدالة على ذلك
كـ (العفوّ) و(الغفور) و(الغفار) و(الرحمن) و(غافر التوب) و(قابل التوب).
والمتأمل في الكتاب الكريم يجد أن الحث على القبول، والسعي لالتماس عفو الله ومغفرته لا يقتصر على الكافر والفاجر دون غيرهم بل تعمّ جميع فئات الناس من أتقاهم إلى أفجرهم، فالله تعالى يدعو لالتماس العفو والقبول، ويدعو لدخول الجنات، ويدعو للارتقاء
فمن ذلك دعوته تعالى الكفار للإيمان والتوبة: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ
ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].
ودعوته للمسرفين في الذنوب إلى الرجوع إليه ليقبلهم، فيفتح لهم أبواب الرجاء، ويشفي سقم قلوبهم بالدواء: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقوله عز من قائل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
[ ٢٦٠ ]
ودعوته الصالحين أمثال أبي بكر الصديق ﵁ للكمال، وللارتقاء في سلّم القبول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
بل إنه يدعو الرسل والخطاب للرسول ﷺ ليستحثّ في الأمم الهمم: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٥١ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢]. فكأن القبول فضائل متعددة يمنّ الله بها على العبد بداية ثم تُكتسب بالطاعات، وكلما حاز العبد على فضيلة ارتقى عند الله، فهي قبول نجاة، وقبول عفو، وقبول إثابة، وقبول رفعة.
ثم نجد الدعوة والترغيب لحيازة السبق إلى الله والرجوع إليه ويتمثّل ذلك في قوله تعالى عن سحرة فرعون بعد مسارعتهم للإيمان: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١].
ثم الترغيب في تدارك الوقت أو التحذير من فوات الأوان: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤].
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٥٥ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٥ - ٥٦].
[ ٢٦١ ]