(مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) (^١) وقاطع الرحم لا يرفع له عمل قال رسول الله ﷺ: (إنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ) (^٢) والحكم بعدم القبول يُحمل على عدم قبوله للعرض يوم الخميس وقد لا يثاب عليه لكنه صحيح يجزؤه (^٣). وقال رسول الله ﷺ:
(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطعٌ) (^٤) والحرمان من دخول الجنة يُحمل على عدم الدخول مع أول الداخلين، فهو مهدد ومتوعد باللعنة وعدم دخول الجنة وهذا يدلّ على تأخير أعماله حتى يستوفي العقوبة إن لم يعف الله عنه.
فاللعن والطرد من رحمة الله للظالم والقاطع وغيره إن كان من أهل الإسلام فهو طرد مؤقت حتى يستوفي العقوبة عياذًا بالله.
٨ - من أحدث أو آوى محدثًا في المدينة أو أراد أهلها بسوء: ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وحيث إن إبراهيم دعا لمكة بالأمن والتحريم فقد دعا رسول الله ﷺ للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة. ومثله معه. فأجابه
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن (٥/ ٢٩٦/ ح ٤٢١١) وصححه شعيب الأرناؤوط.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٦/ ١٩١/ ١٠٢٧٢) وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.
(٣) انظر السراج المنير شرح الجامع الصغير (٢/ ٨٠) وفيض القدير (٢/ ٤٢٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٦٢/ ٢٣٠٨).
[ ١٣٧ ]
الله. وحرم ما بين لابتَيْها (^١) فقال:
(اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، …) (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: (المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) (^٣)
قال العلماء في معنى الصرف والعدل ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنْ الصّرْف: التَّوْبَة، وَالْعدْل: الْفِدْيَة.
وَالثَّانِي: أَنْ الصّرْف: النَّافِلَة، وَالْعدْل: الْفَرِيضَة. وهو قول الجمهور.
وَالثَّالِث: الصّرْف: الِاكْتِسَاب. وَالْعدْل: الْفِدْيَة.
والْمَعْنَى أن من ابتدع فيها بدعة في الدين أو نصر المحدث أو آواه أو أجاره فلَا تُقْبَلُ فَرِيضَتُهُ وَلَا نَافِلَتُهُ قَبُولَ رِضًا وَإِنْ قُبِلَتْ قَبُولَ إجَزَاءٍ وَقِيلَ يَكُونُ الْقَبُولُ هُنَا بِمَعْنَى لا يكون تَكْفِيرِ الذَّنْبِ بِهِمَا، أي لا ثواب فيهما. وَقيل في مَعْنَى الْفِدْيَةِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجِدُ ما يفتدي به من ذنبه يوم القيامة
_________________
(١) تفسير القاسمي (١/ ١٣٦)، وتفسير الطبري (٢/ ٥٤٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٢٢). ولابتاها أي حرتَاها.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ١٠٠١/ ح ١٣٧٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٥٤/ ح ٦٧٥٥).
[ ١٣٨ ]