إن المطالع لسيرة السخاوي ﵀ يجد اهتمام والده به واضحًا منذ طفولته، فقد أدخله الكتَّاب، ثم صار ينقله من شيخ إلى شيخ، فإنه لما تعلم مبادئ القراءة في المكتب - الكتَّاب - نقله أبوه إلى مدرس آخر، فقرأ عليه القرآن حتى أتمه وهو صغير ولم تذكر المصادر في أي سنة حفظ القرآن إلا أن حرص والده عليه وذكاءه يدلان على أنه حفظه في سن مبكرة، ثم تدرب على الإمامة فصلى بالناس التراويح في رمضان فيما يسمونه بمصر الزوايا، وهذا يدل على أنه صلى بهم وهو صغير؛ لأن الزاوية ليست مسجدًا كما هو معلوم، فكأنه أراد ضبط حفظه فصلى في هذه الزاوية التراويح بالناس. ثم بعد هذا انتقل إلى شيخ آخر فقرأ عليه التجويد وضبط عليه القرآن وهو الشيخ محمد بن أحمد النحريري، فلما أتم حفظ القرآن وجوده بدأ بحفظ كثير من المتون.
فحفظ "عمدة الأحكام"، و"ألفية العراقي"، و"شرح نخبة الفكر"، وغالب "الشاطبية".
ولزم البرهان بن خضر أحد علماء العربية في زمانه، فقرأ عليه غالب "شرح الألفية" لابن عقيل، وسمع الكثير من توضيحها لابن هشام، وأملى عليه عدة كراريس من مقدمة العربية.
وقرأ كذلك على الحناوي النحوي "مقدمة الدرة المضية" في النحو، وقرأ الفقه
[ ٣٢ ]
على كثير من علماء بلده في ذلك الزمان منهم العلم صالح البلقيني، وأخذ الفرائض والحساب والميقات وغيرها عن الشهاب ابن المجد، وأخذ عن غير هؤلاء كثير مما ذكره هو عن نفسه في ترجمته في "الضوء اللامع".
وكان في أثناء ذلك قد تعرف على الحافظ ابن حجر ﵀ وعمره ثمان سنوات، وكان أبوه يأخذه للإستماع ليلًا من ابن حجر، فسمع منه حديثًا كثيرًا، ثم لما حصَّل ما حصَّل من العلوم من المشايخ انقطع بكليته للحافظ ابن حجر ولازمه ملازمة تامة وداوم الملازمة لشيخه حتى حمل عنه علمًا جمًّا واختص به كثيرًا، بحيث كان من أكثر الآخذين عنه وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر وينفرد عن سائر الجماعة بأشياء. وقد علم شيخه ابن حجر ﵀ شدة حرصه على الأخذ منه فكان يرسل خلفه أحيانًا بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة. وهكذا نجد حياة السخاوي ﵀ مليئة بطلب العلم والحرص على الأخذ من العلماء مما أثر ذلك على شخصيته العلمية القوية وعلى كثرة تأليفه (^١).