كانت مصر في أيام المماليك تعتبر دولة إسلامية قوية بالنسبة لجاراتها، ولذلك فقد قصدها العلماء وطلاب العلم من كل مكان، وقد كان لتشجيع بعض سلاطين المماليك للعلم وأهله دور هام في النهضة العلمية التي حصلت في مصر في ذلك الزمان، فقد سقطت بغداد ولم يعد للدولة العباسية وجود إلا في مصر وهو وجود اسمي فقط، والعلم يتبع عادة المراكز القوية؛ ولذلك رحل العلماء وطلاب العلم إلى مصر معلمين ومتعلمين، وقد اعتنى السلاطين ببناء المدارس وأجروا الأوقاف عليها وعينوا المعلمين وأجروا لهم الرواتب ولذلك نشطت حركة التعليم والتأليف في ذلك العصر، وشهد ذلك العصر علماء أجلاء أمثال ابن حجر
_________________
(١) "شذرات الذهب": (٧/ ٢٦١).
(٢) "شذرات الذهب": (٧/ ٢٦١، ٣٥٩).
[ ٢٥ ]
والسخاوي والسيوطي، وظهرت مؤلفات عظيمة لهؤلاء الأئمة وغيرهم ولا سيما في علوم الحديث من جمع وتصنيف وفهرسة وزوائد ونحوها.
لكن هذا العصر كغيره من العصور لم يخل من بعض الأخطاء الخاصة والعامة التي ورثها علماء ذلك الزمان عن سلفهم واستحكمت فيهم بسبب التقليد والدعوة إلى نبذ الإجتهاد وإغلاق بابه وإيجاب كل شيخ على تلاميذه الأخذ بأقواله وتحذيره لهم من أخذ أقوال علماء غيره ولا سيما من أقرانه، وقد نقل ابن حجر ﵀ عن بعض علماء عصره وصفًا لحال بعض العلماء في ذلك الزمان حيث قال:
إن الدروس بمصرنا في عصرنا … طبعت على غلط وفرط عياط
ومباحث لا تنتهي لنهاية … جدلًا ونقل ظاهر الأغلاط
ومدرس يبدي مباحث كلها … نشأت عن التخليط والأخلاط
ومحدث قد صار غاية علمه … أجزاء يرويها عن الدمياطي
والفاضل النحرير فيهم دأبه … قول أرسطا طاليس أو بقراط
وعلوم دين الله نادت جهرة … هذا زمان فيه طي بساطي (^١)
وأهم سمات ذلك العصر العلمية والدينية:
١ - انتشار المدارس والعناية بها، وإنشاء المكتبات فيها، ووقف الأموال عليها من أجل استمرارها.
٢ - كثرة المؤلفات العلمية الضخمة، ولا سيما في علم الحديث والرجال.
٣ - انتشار الطرق الصوفية عند العام والخاص حتى عند علماء ذلك العصر، وقد بنيت لهؤلاء الصوفية الزوايا ووقفت عليهم الأوقاف، واعتقد الناس بهؤلاء المجانين أنهم أولياء، وأنهم يعلمون الغيب، وأن لهم تصرفًا في الكون، وأن من دخل الطريقة هدي، ومن لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه. ولا تستغرب
_________________
(١) "الدر الكامنة": (٢/ ٧٢).
[ ٢٦ ]
إذا قرأت ترجمة أحد المشهورين في ذلك العصر فوجدت أنه قد بايع على طريقة صوفية ولبس الخرقة على يد الشيخ فلان، فهذا أمر عام في ذلك الزمان.
٤ - انتشار العقيدة الأشعرية في ذلك العصر، حتى اشتهر أنها عقيدة أهل السنة والجماعة، أما عقيدة السلف فهي عندهم عقيدة المجسمة، ولا يجوز تعليمها ولا تعلمها، ومن علمها أو تعلمها أدب وعوقب.
٥ - المبالغة في إحياء الإحتفالات البدعية باسم الدين كالمولد ورأس السنة الهجرية، وعاشوراء، وليلة الإسراء والمعراج، ونحوها من الأعياد البدعية.
٦ - الحرص على التمذهب لأحد المذاهب الأربعة، ولذلك تعدد القضاة، فلكل مذهب قاض ولكل مذهب مفتي مع حرص السلاطين على رفع أتباع المذهب الشافعي لأنه مذهبهم (^١).
قال الشيخ محمد حامد الفقي ﵀: (ومن يقرأ مؤلفات السخاوي يرى فيها صورة العصر الذي عاش فيه، فيعرف أنه كان عصر تقليد عميق، وجمود عتيق على الموروث عن الآباء والمشايخ …
ولذلك فلم يكن من المستغرب أن تروج عندهم وثنيات الموالد والأعياد التي أوحاها شياطين الإنس لعبادة الموتى من دون الله باسم الإِسلام، ولا من العجب أن تعظم وتقدس في نفوسهم القباب والمقاصير والمشاهد ومشيدوها، فيثنى عليهم أطيب الثناء، فكان من ثمرات ذلك ولابد أن تموت عقيدة التوحيد الإِسلامية من - أكثر - القلوب فتموت القلوب بموتها وأن تشيع الخرافات وتتحكم البدع المحدثات ولا حول ولا قوة إلا بالله) (^٢).
_________________
(١) "المجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك": (ص ١٧٦)، "الخطط" للمقريزي: (٣/ ٣٠٦)، "الأيوبيون والمماليك في مصر والشام": (ص ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٢) "التحفة اللطيفة": (١/ ١٢ - ١٣) باختصار.
[ ٢٧ ]
وقد عقد الشيخ ﵀ مقارنة بين ما قام به شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ من دعوة إلى التوحيد الخالص وبين علماء ذلك العصر، وبَيَّنَ فضل دعوة شيخ الإِسلام ﵀ وتلاميذه على دعوة علماء عصر السخاوي وطريقهم، وهو كما قال ﵀. وكم يتعجب الإنسان من بعض أخطاء هؤلاء العلماء الأجلاء مع عنايتهم الفائقة بالحديث وعلومه، وكيف مرت البدع الشنيعة في كتبهم بلا نكير، ولكن إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، ونسأله سبحانه أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
* * *
[ ٢٨ ]