إن المتدبر لأحوال المسلمين في العصور المتأخرة التي سقطت فيها بغداد عاصمة الخلافة الإِسلامية في وقتها وما تلاها من سنين سقطت فيها دولة الأندلس وما بعدها يجد أن الضعف العام في شتى مجالات الحياة قد ظهر بقوة في جميع البلاد الإِسلامية بين العام والخاص.
والحياة الإجتماعية في مصر في زمن السخاوي، أي: في بداية القرن التاسع الهجري أصابها ما أصاب غيرها من بلدان العالم الإِسلامي إلا أن وجود دولة المماليك وجعلهم القاهرة عاصمة لهم كان له بعض الأثر في إصلاح بعض الأحوال المعيشية لسكان مصر ولا سيما في زمن بعض السلاطين الذين ذكر عنهم الصلاح والعبادة. وكان المجتمع المصري في ذلك الزمان يقوم على نظام الطبقية الإجتماعية التي قسمت أهل مصر إلى سبعة أقسام.
١ - المماليك: وهم حكام البلاد ومماليكهم من العسكر الذين سيطروا على البلاد وأهلها، وقد كانوا يعيشون في عزلة تامة عن أهل مصر ولهم تربيتهم الخاصة التي يحرصون أن تكون جيدة وعلى يد أفضل المعلمين والقراء وأساتذة العلوم، وفرسان الحرب، وهؤلاء المماليك هم الذين يضعون السلطان منهم ويخلعونه ويضعون غيره.
[ ٢٣ ]
٢ - الفقهاء وأهل العلم: ويدخل تحتهم مشايخ الطرق الصوفية، وكانت لهم مكانة عند كثير من سلاطين المماليك وعند عامة الناس.
٣ - التجار: وقد نشطت حركة التجارة في مصر أيام دولة المماليك، وحملت البضائع منها وإليها، فأثرى تجارها مما رفع مكانتهم عند السلاطين والعامة وجعلهم طبقة متميزة عن سائر الطبقات ولا سيما وقت حاجة السلاطين للمال.
٤ - متوسطة الحال من السوقة وأرباب المهن.
٥ - الفلاحون.
٦ - ذوو الحاجة والمسكنة.
٧ - أهل الذمة: والمراد بهم اليهود والنصارى الذين كانوا في مصر أيام دولة المماليك، وكانوا يعيشون في تلك البلاد عيشة عادية وإن حدث منهم في بعض الأوقات اضطرابات سرعان ما تخمد وترجع الأمور إلى ما كانت عليه (^١).
وإن الباحث ليعجب من ذلك العصر - على كثرة علمائه وكثرة مدارسه وصلاح بعض سلاطينه - يعجب إذا تدبر أحوال أهله الإجتماعية وما انتشر عندهم من انحلال خلقي وأمراض أخلاقية شنيعة حتى أعلن الناس بالمعاصي الكبار وأقيمت لذلك النوادي الفاسدة، وقد يتدخل السلطان أحيانًا لإغلاق بعضها وحبس أهل الفساد، ولكن الخرق كان قد اتسع على الراقع والعياذ بالله. وقد شغف أهل تلك البلاد بالأعياد والإحتفالات والإجتماعات مما سهل كثيرًا من أمور الفساد وسهل خروج النساء من بيوتهن، وكان لذلك أثر في انتشار ما لا يجوز من الأمور (^٢).
_________________
(١) انظر: "إغاثة الأُمة" للمقريزي: ص ٨٢)، و"الخطط" له كذلك: (٣/ ٣٤٩)، "الحياة الإجتماعية في عصر سلاطين المماليك": (ص ١١).
(٢) "الحياة الإجتماعية في عصر سلاطين المماليك": (ص ٢٢٥ - ٢٣٥)، "الأيوبيون والمماليك في مصر والشام": (ص ٣٤٩ - ٣٥٠).
[ ٢٤ ]
أما الأحوال الإقتصادية فإنها كانت غير مستقرة وهي مرتبطة بصلاح السلطان ومدة حكمه، وقد أصاب البلاد فترات من الغلاء العام كما حدث ذلك في سنة ٨٩٢ هـ (^١).
وكذلك وقع في ذلك الزمان بعض الأوبئة العامة كالطاعون الذي حدث في القاهرة سنة ٨٤٨ هـ بحيث كان يخرج باليوم الواحد ما يزيد على الألف.
وفي سنة ٨٩٧ هـ وقع طاعون عام لم يسمع بمثله حتى قيل: إن ربع أهل الأرض ماتوا به (^٢).
هذه أهم مظاهر الحياة الإجتماعية في ذلك العصر، ولعل ما أصاب أهل مصر في ذلك الزمان لم يكن خاصًّا، بل هو عام في شتى الأقاليم الإِسلامية ولا حول ولا قوة إلا بالله.