لقد دلت النصوص الكثيرة على اختصاص الله ﷿ بعلم الساعة، وقد تبرأ النبي ﷺ من ادعاء علمها كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (^٢).
قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى مخبرًا رسوله ﷺ أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده إلى أن يرد علمها إلى الله ﷿ كما قال له في سورة الأعراف: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها) (^٣).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ
_________________
(١) انظر: "لوامع الأنوار البهية": (٢/ ٦٦).
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٦٣.
(٣) "تفسير ابن كثير": (٤/ ٤١٩).
[ ٦١ ]
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).
قال ابن جرير ﵀: (يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد: قل يا محمد لسائليك عن الساعة أيان مرساها ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع لنفسي ولا دفع ضر يحل بها عنها إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك بأن يقويني عليه ويعينني ولو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ يقول: لأعددت الكثير من الخير) (^٢).
وقال ابن كثير ﵀: (أمر الله تعالى نبيه ﷺ إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية أمرها ومتى تكون على التحديد لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض) (^٣).
وقال القرطبي ﵀: (أي: لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرًا ولا أدفع عنها شرًّا فكيف أملك علم الساعة) (^٤).
وقد دلت السنة كذلك على إخبار النبي ﷺ عن نفسه بعدم علمه بوقت الساعة كما في حديث جبريل المشهور: "قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (^٥).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في
_________________
(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) "تفسير ابن جرير": (٩/ ١٤٢).
(٣) "تفسير ابن كثير": (٢/ ٢٧١).
(٤) "تفسير القرطبي": (٧/ ٣٣٦).
(٥) رواه البخاري ومسلم.
[ ٦٢ ]
غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفسي بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في حديث جبريل المشهور: "خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ " (^٢) الحديث.
والنصوص في هذا المعنى كثيرة وهي دالة على اختصاص الله ﷿ بعلم الساعة، وترد على من زعم أن غير الله يعلم الغيب، فما دام أن الله قد حجب علم الساعة عن النبي ﷺ فغيره ممن هو دونه من باب أولى.
وبهذا يتضح فساد عقائد بعض الناس الذين يقولون: إن النبي ﷺ يعلم الغيب وإن من علومه علم اللوح والقلم، وهو قول باطل مصادم للنصوص السابقة من الكتاب والسنة، وإنما بنوا عقائدهم هذه على أوهام وظنون فاسدة.