بسم الله الرحمن الرحيم (حسبنا الله ونعم الوكيل) (^١) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله العالم بما كان وما يكون والدائم الإحسان في الحركة والسكون المخلِّصِ المخلِصَ له من الموحدين المجتهدين من المحن وسائر الفتن ما ظهر منها وما بطن والمخصص من اصطفاه منهم بالإرشاد والإستناد لكل حسن مع ابتلائه لمن شاء بالإختبار لا بخفاء الحقائق عنه في الإسرار فضلًا عن الإظهار في الليل والنهار من الماضي والحال والآتي في الإستقبال من الأعمار بل لإقامة الحجة عليه بالإختبار ولكنا نتوجه إليه أن لا يهتك منا الأستار فإنه لا طاقة لنا إلا بالعفو واستصحاب قبول الإستغفار ونقتفي أثره ﷺ مقتدين به في استعاذته من شر الفتن مع تناهيه وعلو رتبته حيث قال من جملة ما أوضح فيه المشكل (^٢) وبيَّن منه المشتبه: "اللهم إذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (^٣).
نعوذ بالله من الفتن [ما ظهر منها]، (^٤) وما بطن وما ظهر للعيون، ونعوذ بالله الكبير المتعال من شر فتنة المسيخ الدجال، إلى غيرها من الدعوات الجليلة الإحتفال. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم إلى يوم المآل وبعد:
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من "أ".
(٢) في "الأصل": (المسلك)، وما أثبته من "أ" وهو المناسب لما بعده.
(٣) رواه الإمام أحمد في "مسنده": (١/ ٣٦٨)، والترمذي: (٥/ ٣٦٦)، وغيرهم وإسناده صحيح.
(٤) سقطت من "أ".
[ ٣ ]
فهذه عجالة يومية، ودلالة شهية، في الإشارة لشيء من الفتن الآتية، ليكون المراد بها على بصيرة منها بالأذن الواعية، والفكرة الساعية، وإن كان المعول في الإستقامة على تثبيت المولى لعبده، وإلهامه لما يكون سببًا لسعده. ولذا نسأله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويصرف قلوبنا التي هي في قبضة قهره وملكه (^١) إلى ما يرتضيه من الخيرات المتظاهرة بادرت
_________________
(١) يشير هنا إلى قول النبي ﷺ: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك". رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في كتاب القدر: (٤/ ٢٠٤٥). وفي الباب عن أنس، والنواس بن سمعان، وعائشة، وأم سلمة، وجابر، وسبرة بن فاتك. انظر: "مسند أحمد" بتحقيق الأرناؤوط: (١١/ ١٣٠). وفي الحديث دليل على إثبات صفة الأصابع لله ﷿ على ما يليق بجلال الله وعظمته، قال البغوي ﵀: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله، وكذلك كل ما جاء في الكتاب والسنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى كالنفس، والوجه، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش، والضحك، والفرح … ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء في صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وعلى هذا مضى سلف الأُمة وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا فيها العلم إلى الله ﷿ كما أخبر الله ﷾ عن الراسخين في العلم فقال ﷿: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧])، ثم ذكر ﵀ أقوال السلف في ذلك. "شرح السنة": (١/ ١٦٨ - ١٧١) باختصار. والإيمان بأسماء الله وصفاته يتضمن عدة معان:
(٢) إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من دون تمثيل ولا تكييف، وهذا الإثبات ليس لمجرد الألفاظ الواردة، بل هو يتضمن إثبات معانيها اللائقة بالله ﷿، وهذا هو مذهب السلف ﵏، لا كما يزعمه مفوضة الأشاعرة بأن مذهب السلف هو مجرد إثبات ألفاظ لا معاني لها، فهذا جهل منهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وجهل كذلك بمذهب السلف وكذب عليهم، فإن من ينسب ذلك لهم فإنه يزعم أن الله أخبرنا عن أعظم أمر في القرآن - وهو أسمائه الحسنى -
[ ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وصفاته العلى - بكلام لا يفهم، ككلام الأعاجم يثبت لفظه ولا يفهم معناه، وهذا عين الضلال والعياذ بالله.
(٢) أن ينفى عن الله ﷿ ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ، من دون تعطيل، وهذا النفي نفي غير محض بل هو يتضمن إثبات كمال ضده، فإذا قلت ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ فمعناه نفي الظلم عنه وإثبات كمال ضده وهو عدله ﷾ وهكذا.
(٣) اليأس وقطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفات، ومعناه أن العقول البشرية محدودة المعرفة، وقد حجب الله ﷿ عنها علم كيفية صفاته ﷾؛ لأن الكيفية لا تعلم إلا بأمور: أ - مشاهدة الشيء. ب - مشاهدة نظيره. ج - أو الخبر الصادق عنه. ولما لم نتعرف على كيفية صفات الله بجميع حواسنا، ولم نعلم كيفية صفات نظيره؛ لأنه ﷾ لا نظير له ولا ند ولا كفؤ. لم يبق إلا الخبر الصادق عنه أو عن رسوله ﷺ، ولم يأت الخبر عن الكيفية فوجب الوقوف عند النصوص في ذلك والسكوت عما سكت عنه السلف الصالح ﵏. أما القبضة، فهي ثابتة لله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله يقبض يوم القيامةَ الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك" رواه البخاري في التوحيد: (١٣٦)، ومسلم: (٤/ ٢١٤٨)، واللفظ للبخاري، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وابن مسعود. انظر: "التوحيد" لابن خزيمة: (١/ ١٦٦ - ١٧٣). والقبض هنا دليل على إثبات صفة اليدين لله ﷿؛ لأن القبض صفة لهما. قال ابن القيم ﵀: (ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع، وورد متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا على أنها يد حقيقية من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، والمصافحة، والحثيات، والنضح باليد، والخلق باليدين) إلى آخر ما ذكر. "مختصر الصواعق": (ص ٣٤٨). وبعد هذا يتبين لك أن ما ذهب إليه السخاوي ﵀ من تأويل الأصابع والقبضة بل واليد إلى الملك والقهر خطأ عظيم خالف فيه الكتاب والسنة واللغة وسلف الأُمة والذي حمله على هذا ظنه أن في تأويله لصفة اليد والأصابع تنزيه لله ﷿ عن مشابهة المخلوقين، والجواب أن يقال: قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
[ ٥ ]
بها امتثالًا لمن شارك في الفضائل من المتوجهين للإستقامة وكرم الشمائل حتى سبق بها كثيرًا من أقرانه السابحين في بحار الغفلة والغوائل، بل ربما يلتحق بكثير من أهل الطبقة الذين قبلهم من الأوائل، مع اشتغاله بالتجارة المستغنى بها عن الرذائل، وإن كان في تعب وكد غني شرحه عن إقامة الدلائل، فالجنة محفوفة بالمكاره وثقيل الوسائل ونعم المال الصالح مع العبد الصالح، لتمكنه فيه من الخير الطائل.
وما أحسن قول سفيان الثوري (^١) ﵀: (لولا هذه البضاعة الذي بأيدينا لتمندل (^٢) بنا أرباب الولايات في المدائن والقبائل).
وكان عبد الله بن المبارك (^٣) إمام الأئمة، والمقدم عند كل قائل، يتجر بقصد (^٤) القيام بكفاية جماعة من العلماء، ليفرغهم للإشتغال بشريف
_________________
(١) =وقد ذكر الله ذلك عن نفسه وذكره عنه رسوله ﷺ والله ورسوله أعلم من السخاوي وقول الله وقول رسوله أولى بأن يعتمد من قول السخاوي. ويقال أيضًا: إن صفة اليد كصفة السمع والبصر، فإن السخاوي يثبت لله السمع والبصر بلا تشبيه، ونحتج بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونرد على السخاوي وأمثاله بجميع ما يرد به على المعتزلة في إنكارهم بقية صفات الله، والله أعلم. وصدق الإمام مالك ﵀: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر) يعني: رسول الله ﷺ، ورحم الله السخاوي ما كان أغناه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ عن تأويلات المتكلمين.
(٢) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى، من رؤوس الطبقة السابعة، مات سنة (١٦١ هـ) وله أربع وستون سنة، من رجال الجماعة. "تاريخ بغداد": (٩/ ١٥١)، "التقريب": (ص ٣٩٤).
(٣) أي: جعلونا منديلًا يمسحون بنا وسخهم. "القاموس": (ص ١٣٧٢). وانظر القصة في: "السير": (٧/ ٣٤١)، و"الحلية": (٥/ ٣٨١).
(٤) عبد الله بن المبارك المروزي الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن، التميمي، الحافظ، شيخ الإسلام، المجاهد، صاحب التصانيف والرحلات، وُلد سنة (١١٨ هـ) وتوفي سنة (١٨١ هـ). "تذكرة الحفاظ": (١/ ٢٥٣)، "التقريب": (ص ٥٤٠).
(٥) في "الأصل" و"ط": (لتخبر بفضل)، وما أثبته من "أ" وهو الصواب إن شاء الله.
[ ٦ ]
الخصائل. وفقنا الله تعالى وإياه وبني عمه، وصرف عنا كل مكروه زائل، وجمع شملهم على ممر الليالي والأيام، مبلغين كل فضل نائل [فهم] (^١) جواهر في هذا الوقت المائل.