ثالثا: تربيته ﷺ أهله على القناعة: لقد ربى النبي ﷺ أهله على القناعة بعد أن اختار أزواجه البقاء معه، والصبر على القلة، والزهد في الدنيا حينما خيرهن بين الإمساك على ذلك أو الفراق والتمتع بالدنيا كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا - وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]
فاخترن﵅- الآخرة، وصبرن على لأواء الدنيا، وضعف الحال، وقلة المال طمعًا في الأجر الجزيل من الله- تعالى - ومن صور تلك القلة الزهد إضافة لما سبق:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٥٥)، ومسلم (٢٩٧١) .
[ ١٧ ]
أ- ما روت عائشة - ﵂- قالت: «ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (١) .
ب- وعنها﵂- قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز وشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ» (٢) .
ولم يقتصر ﷺ في تربيته تلك على نسائه بل حتى أولاده رباهم على القناعة «فقد أتاه سبي مرة، فشكت إليه فاطمة - ﵂- ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع» (٣) .
ولم يكن هذا المسلك من القناعة إلا اختيارا منه ﷺ وزهدًا، في الدنيا، وإيثارًا للآخرة.
نعم! إنه ﷺ رفض الدنيا بعد أن عرضت عليه، وأباها بعد أن منحها. وما أعطاه الله من المال سلطه على هلكته في الحق، وعصب على بطنه الحجارة من الجوع ﷺ قال عليه الصلاة
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٧٠) .
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٥٤)، ومسلم (٢٩٧٠) .
(٣) جزء من حديث أخرجه أحمد واللفظ له (١ / ٩٧، ١٠٦، ١٥٣)، والبخاري (٣٧٠٥) .
[ ١٨ ]
والسلام: «عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب؛ ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا. فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك؛ وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» (١) .