اعلم أن هذه اللذة لن تحصل إلا بتوافر عشرة آداب عند تلاوة القرآن الكريم هي: (فهم أصل الكلام. ثم التعظيم، ثم حضور القلب. ثم التدبر. ثم التفهم، ثم التخلي عن موانع الفهم، ثم التخصيص، ثم التأثر، ثم الترقي، ثم التبري) .
فالأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ﷾ ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله ﷿ إلا
_________________
(١) "إحياء علوم الدين" بتصرف واختصار (١/١٦١- ١٧١) .
(٢) اعلم أن العزالي ﵀ ساق هذه الوظائف في حق من اكتملت لديه الآلة في فهم النظم العربي عمومًا والنظم القرآني خصوصًا، فتلك الوظائف والآداب المذكورة، لن تغني فتيلًا عن الرجوع لكتب التفسير ومطالعة ما سطره أئمة التأويل وبخاصة سلف الأمة الصالح ونحثك على مطالعة التفاسير الأثرية والتربوية "كتفسير ابن كثير" وتفسير "السعدي"، ولا تحرم نفسك من فتيؤ "ظلال القرآن" فستغنم إن شاء الله.
[ ٨٦ ]
بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرض ولا ثري ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبُحُات نوره (١)، ولولا تبييت الله ﷿ لموسى - ﵇ - لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دكًا (٢) .
الثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلام الله ﷿ غاية الخطر فإنه تعالى قال: ﴿لا يمسه غلا المطهرون﴾ وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقة محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرًا، فباطن معناه أيضًا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرًا عن كل رجس ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حضر بباله العرش واستواء ربه عليه، والكرسي الذي وسع السموات والأرض، واستحضر مشهد السموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعَلِمَ أن الخالق
_________________
(١) قال تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله﴾ .
(٢) قال تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقا﴾ .
[ ٨٧ ]
لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نِقمته وسَطوته، إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة والتعالي، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.
الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحبُّ غلي من القرآن حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية. وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلًا له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو متنزه ومتفرج، والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها، فقد قيل إن القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياض.
فإذا دخل القارئ الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه في الرياض استغرقه ذلك وشغله عما سواه فلم يعزب قلبه ولم يتفرق فكره.
[ ٨٨ ]
الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره والمقصود من القراءة التدبر، ولذلك سُنَّ الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن، قال علي - ﵁ -: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها.
وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام، فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئًا مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه، وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر في آية قراها أمامُه فهذا وسواس. فقد روي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوساس يعتريني في الصلاة، فقيل: في أمر الدنيا؟ فقال: لأن تختلف في الأسِنَّة أحب غليّ من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي ﷿، وإني كيف أنصرف، فعدّ ذلك وسواسًا وهو كذلك، فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه، والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهمِّ ديني، ولكن يمنعه به عن الأفضل.
وعن أبي ذر قال: قام رسول الله - ﷺ - بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم..﴾ الآية وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾ الآية، وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية: ﴿وامتازوا اليوم
[ ٨٩ ]
أيها المجرمون﴾ وقال بعضهم: إني لأفتح السورة فيوقفني بعضُ ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابًا، وحُكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جوزتها إلى غيرها، وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها، ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعضهم: لي في كل جمعة ختمة وفي كل شهر ختمة وفي كل سنة ختمة ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه، وكان هذا أيضًا يقول: أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومةً ومجامعةً ومشاهرةً ومسانهةً (١) .
الخامس: التفهم: وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله ﷿، وذكر أفعاله، وذكر أحوال الأنبياء ﵈، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.
أما صفات الله ﷿ فكقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وكقوله تعالى: ﴿الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ فليتأمل معاني هذه الأسماء
_________________
(١) أي بأجر كل يوم وكل جمعة وكل شهر وكل سنة، يشير إلى ختماته في تلك الأزمنة.
[ ٩٠ ]
والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للمُوفَّقين: وإليه أشار علي - ﵁ - بقوله لما سئل: هل عندكم من رسول الله - ﷺ - شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه، وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها، فليفهم التالي منها صفات الله ﷿ وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل على عظمته، وأما أحوال الأنبياء ﵈، فإذا سمع منها كيف كُذّبوا وضُربوا وقُتل بعضهم. فليفهم منه صفة الاستغناء لله ﷿ عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيء، وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله ﷿ وإرادته لنصرة الحق، وأما أحوال المكذبين، كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أُمهل فربما تدركُه النقمة وتنفُذ فيه القضية، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له وإنما لكل عبد بقدر رزقه، ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ .
فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه، ومن لم يكن له فهم ما في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك
[ ٩١ ]
حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم.
السادس: التخلي عن موانع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، وحُجُب الفهم ثلاثة:
أولها: أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله ﷿ فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورًا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان ممن كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس.
ثانيها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيَّده معتقدُه عن أن يتجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإن لمع برق على بُعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويتحرز عن مثله، ومثله من يقرأ قوله تعالى: ﴿الرحمن على
[ ٩٢ ]
العرش استوى﴾ وما يحتويه معنى الآية من علو الله ﷿ على كل مخلوقاته وهيمنته وتصرفه في كل الموجودات فيجيئه تقليد المعتقدات الموروثة في وجوب تنزيه الله عن الجهة فيُحرم من تجليات تأمل صفة العلو والاستواء وهي من الصفات التي تكررت في القرآن بغرض التنبيه على جلال الله وعظمته وحقيقة علوه على خلقه.
ثالثها: أن يكون مصرًا على ذنب أو متصفًا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرأة وهو أعظم حجابٍ للقلب وبه حُجب الأكثرون.
وكلما كانت الشهوات أشد تراكمًا كانت معاني الكلام أشد احتجابًا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرُبَ تجلي المعنى فيه. فالقلب مثل المرأة والشهوات مثل الصدأ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرأة، وقد شرط الله ﷿ الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ وقال ﷿: ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.
السابع: التخصيص وهو أن يقدّر أنه المقصود بكل خطاب في
[ ٩٣ ]
القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قدّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السَّمَرَ غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي - ﷺ - وأمته. ولذلك قال تعالى: ﴿ما نثبت به فؤادك﴾ فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما صه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى.
وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله - ﷺ - لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين؟ ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ وقال ﷿: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾، ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزلنا إليهم﴾، ﴿كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾، ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾، ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾، ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾، وإذا قُصد بالخطاب جميعُ الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود، فماله ولسائر الناس، فليقدر أنه المقصود، قال الله تعالى: ﴿وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ قال محمد بن كعب القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن
[ ٩٤ ]
عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه، ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا ﷿ بعهود نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات، وكان مالك ابن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقال قتادة: لم يجالس أحد القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ .
الثامن: التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حالٌ ووجدٌ يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التضييق غالب على آيات القرآن، فلا يُرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونًا بشروط يقصُرُ العارف عن نيلها كقوله عز ولج: ﴿وإني لغفار﴾ ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: ﴿لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ وقوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ذكر أربعة شروط، وحيث اقتصر ذكر شرطًا جامعًا، فقال تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن.
[ ٩٥ ]
ولذلك قال الحسن، والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكثر نصبه وشغلُه وقلت راحته وبطالته، وقال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره، فتأثر العبد بالتلاوة أن يصبر بصفة الآية المتلوة.
فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.
وعند ذكر الله صفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعًا لجلاله واستشعارًا لعظمته.
وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله ﷿ كذكرهم لله ﷿ ولدًا وصاحبة يغّضُّ الصوت وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم. وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها.
وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها، ولما قال رسول الله - ﷺ - لابن مسعود: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا" رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: "حسبك الآن" رواه البخاري، وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية، ولقد كان من الخائفين من خرّ مغشيًا عليه عند آيات
[ ٩٦ ]
الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات، فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيًا في كلامه. فإذا قال: ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ ولم يكن خائفًا كان حاكيًا، وإذا قال: ﴿عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾ ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيًا، وإذا قال: ﴿ولنصبرن على ما آذيتمونا﴾ فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة. فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وفي قوله تعالى: ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وفي قوله ﷿: ﴿وهم في غفلة معرضون﴾ وفي قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكان داخلًا في معنى قوله ﷿: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ يعني التلاوة المجردة، وقوله ﷿: ﴿وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضًا عنها، ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفًا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى: مالك وكلامي وأنت معرض عني، دع كلامي إن لم تتب إلي. ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك كل يوم
[ ٩٧ ]
مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة
عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت، ولذلك قال يوسف ابن أسباط: إني لأهمُّ بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فاعدل إلى التسبيح والاستغفار (١) .
والمعرض عن العمل به أريد بقوله ﷿: ﴿فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾ ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه- وفي بعض الروايات- فإذا اختلفتم فقوموا عنه" متفق عليه، قال تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾، وقال - ﷺ -: "إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى" (٢) وقال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيًا فانتهرني وقال: جعلت القرآن عليّ عملًا اذهب فاقرأ على الله ﷿، فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك.
_________________
(١) وليس هذا على الدوام وإلا أدى إلى هجر القرآن، ويحمل فعل يوسف على المجاهدة بالتسبيح والاستغفار حتى يتأهل لتحمل تبعة القراءة، وهذا واضح ولا ريب، فإن أتكأ على فعلة يوسف بن أسباط بطالٌ فهجرَ القرآن وردّد هذه الحجة فهو نصيبه من بطالته وحرمانه.
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" وأبو نعيم في "أخبار الصحابة" وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٥٨٣) .
[ ٩٨ ]
وبهذا كان شغل الصحابة - ﵁ - في الأحوال والأعمال، فمات رسول الله - ﷺ - عن عشرين ألفًا من الصحابة (١) لم يحفظ منهم القرآن إلا ستة اختلف في اثنين منهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله ﷿: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ قال: يكفي هذا وانصرف، فقال - ﷺ -: "انصرف الرجل وهو فقيه" رواه أبو داود والحاكم وصححه، وإنما لعزيز مثل تلك الحالة التي منَّ الله ﷿ بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية.
فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ وبقوله ﷿: ﴿كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإن المقصر في الأمر يقال إنه نسي الأمر، وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.
التاسع: الترقي: وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من
_________________
(١) بل مائة ألف وأكثر كما قال أبو زرعة ﵀.
[ ٩٩ ]
الله ﷿ لا من نفسه، فدرجات القرآن ثلاث، أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله ﷿ واقفًا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير: السؤال والتملق والتضرع والابتهال، الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله ﷿ يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم، الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره (١) . وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين.
العاشر: التبري: وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا تلا بآيات الوعيد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها، ويتشوق إلى أن يلحقه الله ﷿ بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصّرين شهد على نفسه هناك، وقدّر أنه المخاطب خوفًا وإشفاقًا.
ولذلك كان ابن عمر ﵄ يقول: "اللهم إني
_________________
(١) ودليل هذه الدرجات قوله - ﷺ -: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" متفق عليه.
[ ١٠٠ ]
استغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر، فتلا قوله ﷿: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ وقيل ليوسف ابن أسباط: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ فقال: استغفر الله ﷿ من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه، فإن من شهد العبد في القرب لُطف به في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها، ومن شهد القرب في البعد مُكِر به في الأمن الذي يفضه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه.
ومهما كان مشاهدًا نفسه يعين الرضا صار محجوبًا بنفسه عن الله (١) وكان الشافعي يقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
وكان يقول أيضًا ﵀:
فعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا
***