الأول: أن يترصّد لدعائه الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة
_________________
(١) من الإحياء بتصرف واختصار (١/٢٨٠- ٢٨٨) .
[ ١٠١ ]
ورمضان من الأشهر والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
قال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾، وقال - ﷺ -: "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول ﷿: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه، وقيل إن يعقوب - ﷺ - إنما قال: "سوف أستغفر لكم ربي" ليدعو في وقت السحر.
فقيل إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤَمّنون خلفه فأوحى الله ﷿ إني قد غفرت لهم وجعلتهم أنبياء.
الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة - ﵁ -: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصفوف، وقال - ﷺ -: "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال - ﷺ - أيضًا: "الصائم لا ترد دعوته" رواه الترمذي وحسنه، وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المهوشات.
ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله ﷿ فهذا أحد أسباب شرف الأوقات
[ ١٠٢ ]
سوى ما فيها من أسرار لا يُطَّلعُ عليها، وحالة السجود أيضًا أجدر بالإجابة قال أبو هريرة - ﵁ -: قال النبي - ﷺ -: "أقرب ما يكون العبد من ربه ﷿ وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء" رواه مسلم، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إني نُهِيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قّمِنٌ (١) أن يستجاب لكم" رواه مسلم.
الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه أو يرفع يديه قبالة وجهه أو نحو ذلك أو يرفع إصبعه السبّابة، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ -: "أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس" رواه مسلم، وقال سلمان: قال رسول الله - ﷺ -: "إن ربكم حييٌ كريم يستحي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرًا" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وعن أنس أنه - ﷺ -: "كان يرفع يديه حتى بياض إبطيه في الدعاء" رواه مسلم، وعن أبو هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - مر على إنسان يدعو ويشير بإصبعيه السبابتين فقال - ﷺ -: "أحدْ أحِّدْ" رواه النسائي وابن ماجة، أي اقتصر على الواحدة، وقال أبو الدرداء - ﵁ -: عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغلَّ بالأغلال وقال ابن عباس كان - ﷺ -: "إذا دعا
_________________
(١) قمن: جدير.
[ ١٠٣ ]
ضم وجعل بطونهما مما يلي وجهه" أخرجه الطبراني بإسناد فيه ضعف، فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال - ﷺ -: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم" رواه مسلم.
الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما ورد أن أبا موسى الأشعري قال: قدمنا مع رسول الله - ﷺ - فلما دنونا من المدينة كبّر وكبَّر الناس ورفعوا أصواتهم فقال النبي - ﷺ -: "يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصَمَّ ولا غائب" متفق عليه، وقالت عائشة ﵂ في قوله ﷿: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ أي: بدعائك: وقد أثنى الله ﷿ على نبيه زكريا - ﵇ - حيث قال: إذ نادى ربه نداء خفيا﴾، وقال ﷿: ﴿ادعو ربكم تضرعًا وخفية﴾ .
الخامس: أن لا يتكلف السّجع في الدعاء، فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع، والتكلف لا يناسبه، قال - ﷺ -: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" رواه أبو داود وابن ماجة، وقد قال ﷿: ﴿ادعو ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ قبل معناه التكلف للأسجاع، والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كلُّ أحد يحسن الدعاء، ولذلك روي عن معاذ - ﵁ -: إن العلماء يُحتاج إليهم في الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون
[ ١٠٤ ]
كيف يتمنَّون حتى يتعلموا من العلماء، وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور، ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: أعلى الله تبالغ؟ أشهد لقد رأيت حبيبًا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيّدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكلٌ يعرف بركة دعائه.
وقال بعضهم: ادع بلسان الذّلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
ويقال إن العلماء لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، ويشهد له آخر سورة البقرة، فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عباده أكثر من ذلك.
واعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام، فإن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله - ﷺ - كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة كقوله - ﷺ -: "أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع القربين الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد" رواه الترمذي وقال: غريب، وأمثال ذلك، فليقتصر على المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف فالتضرع هو المحبوب عند الله ﷿.
[ ١٠٥ ]
السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾ وقال ﷿: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ .
السابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه. قال رسول الله - ﷺ -: "لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مُكرِه له" متفق عليه، وقال رسول الله - ﷺ -: "إذا دعا أحدكم فليُعظم الرغبة فإن الله يتعاظمُه شيء" رواه ابن حبان، وقال - ﷺ -: "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله ﷿ لا يستجيب دعاءً من قلب غافلٍ" رواه الترمذي وقال: غريب، وقال سفيان ابن عيينةً: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمُ من نفسه فإن الله ﷿ أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله إذ قال: ﴿رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين﴾ .
الثامن: أن يُلحَّ في الدعاء ويكرره ثلاثًا قال ابن مسعود: "كان - ﵇ - إذا دعا ثلاثًا وإذا سأل سأل ثلاثًا"رواه مسلم، وينبغي أن لا يستبطئ الإجابة لقوله - ﷺ -: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول قد دعوتُ فلم يُستجب لي، فإذا دعوت فاسأل الله كثيرًا فإنك تدعوا كريمًا" متفق عليه، وقال بعضهم: إني سألت الله ﷿ منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، سألت الله أن يوفقني لترك ما لا يعيني.
[ ١٠٦ ]
التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله ﷿ فلا يبدأ بالسؤال. قال سلمة بن الأكوع: "ما سمعت رسول الله - ﷺ - يستفتتح الدعاء إلا استحفته بقوله: سبحان ربي العيِّ الأعلى الوهاب" رواه أحمد والحاكم وفيه ضعف، قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي - ﷺ - ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي - ﷺ - فإن الله ﷿ يقبل الصلاتين وهو أكرم أن يدع ما بينهما.
العاشر: وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله ﷿ بكُنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة، فيروي عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله - ﷺ - فخرج موسى ببني إسرائيل يستقي بهم فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يُسقَوا، فأوحى الله ﷿ إلى موسى - ﵇ -: إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا فأوحى الله ﷿ إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمامًا! فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث، وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قُحِطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال
[ ١٠٧ ]
يبكون ويتضرعون، فأوحى الله ﷿ إلى أنبيائهم ﵈ لو مشيتم بأقدامكم حتى تحفى رُكبكُم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكِلَّ ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيًا ولا أرحم لكم باكيًا حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمُطروا من يومهم. وقال مالك بن دينار: أصاب الناس في بني إسرائيل قحطٌ فخرجوا مرارًا فأوحى الله ﷿ إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نجسة وترفعون إلي أكُفًا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.
وقال أبو الصديق الناجي: خرج سليمان - ﵇ - يستقي فمرّ بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان - ﵇ -: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقال الأوزاعي: خرج الناس يتستقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرّين بالإساءة؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال" اللهم إنا قد سمعناك تقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا، اللهم فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا.
[ ١٠٨ ]
وقيل لمالك بن دينار: ادع لنا فقال: إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة.
ورُوي أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى - ﵇ -: من أصاب منكم ذنبًا فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبق معه في المفازة إلا واحد، فقال له عيسى - ﵇ -: أما لك من ذنب؟ فقال: والله ما عملت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه فلما جاوزتني أدخلت إصبعي في عيني فانتزعتها وتبعت المرأة بها، فقال له عيسى - ﵇ - فادع الله حتى أؤمن على دعائك، قال: فدعا فتجللت السماء سحابًا ثم صبَّت فسُقوا.
وقال يحيى الغساني: أصاب الناس قحط على عهد داود - ﵇ - فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقَّاءَك اللهم إنا أرقاؤك فاعقتنا، وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا.
وقال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن برجل بين المقابر فنظر إليّ فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أو بُعثِر ما
[ ١٠٩ ]
في القبور؟ فقتل: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي، فقال: يا عطاء بقلوب أرضِيَّة أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية فقال: هيهات يا عطاء، قل للمُتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير، ثم رمق السماء بطرفٍ وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولك بالسر المكنون من أسمائك إلا ما سقيتنا ماء غدقًا فُراتًا تحيي العباد وتروي به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير. قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القِرب.
وقال ابن المبارك: قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرةُ الذنوب ومساوي الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل فقال: ما لي أراك كئيبًا؟ قلت أمر سبقنا إليه غيرُنا فتواله دوننا، وقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخرّ مغشيًا عليه. ويُروى أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استسقى بالعباس - ﵁ - فلما فرغ عمر من دعائه قال
[ ١١٠ ]
العباس: اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك - ﷺ - وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي لا تمهل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعةٍ فقد ضرعَ الصغير ورقَّ الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلِكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال (١) .
***