فِي الحذر من الدُّخُول على الظلمَة ومخالطتهم ومعونتهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فتمسكم النَّار﴾ والركون هَهُنَا السّكُون إِلَى الشَّيْء والميل إِلَيْهِ بالمحبة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَا تميلوا كل الْميل فِي الْمحبَّة ولين الْكَلَام والمودة وَقَالَ السدي وَابْن زيد لَا تداهنوا الظلمَة وَقَالَ عِكْرِمَة هُوَ أَن يطيعهم ويودهم وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة لَا ترضوا بأعمالهم فتمسكم النَّار فيصيبكم لفحها وَمَا لكم من دون الله من أَوْلِيَاء وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ مَا لكم من مَانع يمنعكم من عَذَاب الله ثمَّ لَا تنْصرُونَ لَا تمْنَعُونَ من عَذَابه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم﴾ أَي أشباههم وأمثالهم وأتباعهم وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَيكون أُمَرَاء يَغْشَاهُم غواش أَو حواش من النَّاس يظْلمُونَ ويكذبون فَمن دخل عَلَيْهِم
[ ١١١ ]
وَصدقهمْ بكذبهم وَأَعَانَهُمْ على ظلمهم فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ وَمن لم يدْخل عَلَيْهِم وَلم يُعِنْهُمْ على ظلمهم فَهُوَ مني وَأَنا مِنْهُ وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ من أعَان ظَالِما سلط عَلَيْهِ وَقَالَ سعيد بن الْمسيب ﵀ لَا تملأوا أعينكُم من أعوان الظلمَة إِلَّا بإنكار من قُلُوبكُمْ لِئَلَّا تحبط أَعمالكُم الصَّالِحَة وَقَالَ مَكْحُول الدِّمَشْقِي يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة أَيْن الظلمَة وأعوانهم فَمَا يبْقى أحد مد لَهُم حبرًا أَو حبر لَهُم دَوَاة أَو بري لَهُم قَلما فَمَا فَوق ذَلِك إِلَّا حضر مَعَهم فَيجْمَعُونَ فِي تَابُوت من نَار فيلقون فِي جَهَنَّم وَجَاء رجل خياط إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ إِنِّي رجل أخيط ثِيَاب السُّلْطَان هَل أَنا من أعوان الظلمَة فَقَالَ سُفْيَان بل أَنْت من الظلمَة أنفسهم وَلَكِن أعوان الظلمَة من يَبِيع مِنْك الإبرة والخيوط وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أول من يدْخل النَّار يَوْم الْقِيَامَة السواطون الَّذين يكون مَعَهم الأسواط يضْربُونَ بهَا النَّاس بَين يَدي الظلمَة وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ الجلاوزة وَالشّرط كلاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة الجلاوزة أعوان الظلمَة وَقد رُوِيَ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ مُوسَى ﵇ أَن مر بني إسرائيل أَن لَا يَتْلُوا من ذكري فَإِنِّي أذكر من ذَكرنِي وَأَن ذكري إيَّاهُم أَن ألعنهم وَفِي رِوَايَة فَإِنِّي أذكر من ذَكرنِي مِنْهُم باللعنة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يقف أحدكُم فِي موقف يضْرب فِيهِ رجل مظلوم فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حضر ذَلِك الْمَكَان إِذا لم يدفعوا عَنهُ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَتَى رجل فِي قَبره فَقيل لَهُ إِنَّا
[ ١١٢ ]
ضاربوك مائَة ضَرْبَة فَلم يزل يتشفع إِلَيْهِم حَتَّى صَارُوا إِلَى ضَرْبَة وَاحِدَة فضربوه فالتهب الْقَبْر عَلَيْهِ نَارا فَقَالَ لم ضربتموني هَذِه الضَّرْبَة فَقَالُوا إِنَّك صليت صَلَاة بِغَيْر طهُور ومررت بِرَجُل مظلوم فَلم تنصره فَهَذَا حَال من لم ينصر الْمَظْلُوم مَعَ الْقُدْرَة على نَصره فَكيف حَال الظَّالِم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما فَقَالَ يَا رَسُول الله أنصره إِذا كَانَ مَظْلُوما فَكيف أنصره إِذا كَانَ ظَالِما قَالَ تَمنعهُ من الظُّلم فَإِن ذَلِك نَصره وَمِمَّا حُكيَ قَالَ بعض العارفين رَأَيْت فِي الْمَنَام رجلًا مِمَّن يخْدم الظلمَة والمكاسين بعد مَوته بِمدَّة فِي حَالَة قبيحة فَقلت لَهُ مَا حالك قَالَ شَرّ حَال فَقلت إِلَى أَيْن صرت قَالَ إِلَى عَذَاب الله قلت فَمَا حَال الظلمَة عِنْده قَالَ شَرّ حَال أما سَمِعت قَول الله ﷿ ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَمِمَّا حُكيَ قَالَ بَعضهم رَأَيْت رجلًا مَقْطُوع الْيَد من الْكَتف وَهُوَ يُنَادي من رَآنِي فَلَا يظلمن أحدًا فتقدمت إِلَيْهِ فَقلت لَهُ يَا أخي مَا قصتك قَالَ يَا أخي قصَّة عَجِيبَة وَذَلِكَ أَنِّي كنت من أعوان الظلمَة فَرَأَيْت يَوْمًا صيادًا وَقد اصطاد سَمَكَة كَبِيرَة فأعجبتني فَجئْت إِلَيْهِ فَقلت أَعْطِنِي هَذِه السَّمَكَة فَقَالَ لَا أعطيكها أَنا آخذ بِثمنِهَا قوتًا لِعِيَالِي فضربته وأخذتها مِنْهُ قهرًا ومضيت بهَا قَالَ فَبينا أَنا أَمْشِي بهَا حاملها إِذْ عضت على إبهامي عضة قَوِيَّة فَلَمَّا جِئْت بهَا إِلَى بَيْتِي وألقيتها من يَدي ضربت على إبهامي وآلمتني ألمًا شَدِيدا حَتَّى لم أنم من شدَّة الْوَجْه والألم وورمت يَدي فَلَمَّا أَصبَحت أتيت الطَّبِيب وشكوت إِلَيْهِ الْأَلَم فَقَالَ هَذِه بَدْء الآكلة أقطعها وَإِلَّا تقطع يدك فَقطعت إبهامي ثمَّ ضربت على يَدي فَلم أطق النوم وَلَا الْقَرار من شدَّة الْأَلَم فَقيل لي إقطع كفك فقطعته وانتشر الْأَلَم إِلَى الساعد وآلمني ألمًا شَدِيدا وَلم أطق الْقَرار وَجعلت أستغيث من شدَّة الْأَلَم فَقيل لي اقطعها إِلَى الْمرْفق فقطعتها
[ ١١٣ ]