فِي عُقُوبَة تَارِك الصَّلَاة (فِي جمَاعَة) مَعَ الْقُدْرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة وَقد كَانُوا يدعونَ إِلَى السُّجُود وهم سَالِمُونَ﴾
[ ٢٨ ]
وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة يَغْشَاهُم ذل الندامة وَقد كَانُوا فِي الدُّنْيَا يدعونَ إِلَى السُّجُود قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يَعْنِي إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة وَقَالَ سعيد بن الْمسيب كَانُوا يسمعُونَ حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح فَلَا يجيبون وهم أصحاء سَالِمُونَ وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَالله مَا نزلت هَذِه الْآيَة إِلَّا فِي الَّذين تخلفوا عَن الْجَمَاعَة فَأَي وَعِيد أَشد وأبلغ من هَذَا لمن ترك الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة مَعَ الْقُدْرَة على إتيانها وَأما من السنة فَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لقد هَمَمْت أَن آمُر بِالصَّلَاةِ فتقام ثمَّ آمُر رجلًا فيؤم النَّاس ثمَّ أَنطلق معي بِرِجَال مَعَهم حزم من حطب إِلَى قوم لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة فَأحرق بُيُوتهم عَلَيْهِم بالنَّار وَلَا يتوعد بحرق بُيُوتهم عَلَيْهِم إِلَّا على ترك وَاجِب مَعَ مَا فِي الْبيُوت من الذُّرِّيَّة وَالْمَتَاع وَفِي صَحِيح مُسلم أَن رجلًا أعمى أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد وَسَأَلَ النَّبِي ﷺ أَن يرخص لَهُ أَن يُصَلِّي فِي بَيته فَرخص لَهُ فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ قَالَ نعم قَالَ فأجب وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن أم مَكْتُوم أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن الْمَدِينَة كَثِيرَة الْهَوَام وَالسِّبَاع وَأَنا ضَرِير الْبَصَر شاسع الدَّار أَي بعيد الدَّار ولي قَائِد لَا يلائمني فَهَل لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي فَقَالَ هَل تسمع النداء قَالَ نعم قَالَ فأجب فَإِنِّي لَا أجد لَك رخصَة فَهَذَا رجل ضَرِير الْبَصَر شكى مَا يجد من الْمَشَقَّة فِي مَجِيئه إِلَى الْمَسْجِد وَلَيْسَ لَهُ قَائِد يَقُودهُ إِلَى الْمَسْجِد وَمَعَ هَذَا لم يرخص لَهُ النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة فِي بَيته فَكيف بِمن يكون صَحِيح الْبَصَر سليمًا لَا عذر لَهُ وَلِهَذَا لما سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلَا يُصَلِّي فِي جمَاعَة وَلَا يجمع فَقَالَ إِن مَاتَ على هَذَا فَهُوَ فِي النَّار
[ ٢٩ ]
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ لِأَن تمتلئ أذن ابْن آدم رصاصا مذابًا خير لَهُ من أَن يسمع النداء وَلَا يُجيب وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمع الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَلم يمنعهُ من اتِّبَاعه عذر قيل وَمَا الْعذر يَا رَسُول الله قَالَ خوف أَو مرض لم تقبل مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صلى يَعْنِي فِي بَيته وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَثَلَاثَة لعنهم الله من تقدم قومًا وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَرجل سمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح ثمَّ لم يجب وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد قيل وَمن جَار الْمَسْجِد قَالَ من سمع الْأَذَان وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ من سره أَن يلقى الله غَدا مُسلما يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة فليحافظ على هَؤُلَاءِ الصَّلَوَات الْخمس حَيْثُ يُنَادي بِهن فَإِن الله شرع لنبيكم سنَن الْهدى وإنهن من سنَن الْهدى وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق أومريض وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادى بَين رجلَيْنِ حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ أَو حَتَّى يَجِيء إِلَى الْمَسْجِد لأجل صَلَاة الْجَمَاعَة
[ ٣٠ ]
وَكَانَ الربيع بن خَيْثَم قد سقط شقَّه فِي الفالج فَكَانَ يخرج إِلَى الصَّلَاة يتَوَكَّأ على رجلَيْنِ فَيُقَال لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد قد رخص لَك أَن تصلي فِي بَيْتك أَنْت مَعْذُور فَيَقُول هُوَ كَمَا تَقولُونَ وَلَكِن أسمع الْمُؤَذّن يَقُول حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح فَمن اسْتَطَاعَ أَن يجِيبه وَلَو زحفًا أَو حبوا فَلْيفْعَل وَقَالَ حَاتِم الْأَصَم فاتتني مرة صَلَاة الْجَمَاعَة فعزاني أَبُو إسحاق البُخَارِيّ وَحده وَلَو مَاتَ لي ولد لعزاني أَكثر من عشرَة آلَاف إِنْسَان لِأَن مُصِيبَة الدين عِنْد النَّاس أَهْون من مُصِيبَة الدُّنْيَا وَكَانَ بعض السلف يَقُول مَا فَاتَت أحدًا صَلَاة الْجَمَاعَة إِلَّا بذنب أَصَابَهُ وَقَالَ ابْن عمر خرج عمر يَوْمًا إِلَى حَائِط لَهُ فَرجع وَقد صلى النَّاس الْعَصْر فَقَالَ عمر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فاتتني صَلَاة الْعَصْر فِي الْجَمَاعَة أشهدكم أَن حائطي على الْمَسَاكِين صَدَقَة ليَكُون كَفَّارَة لما صنع عمر ﵁ والحائط الْبُسْتَان فِيهِ النخل