بيان الحذر من الكذب بالمعاريض:
نقل عن السلف أن في المعاريض مندوحة عن الكذب (١). وأرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب، فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعًا، ولكن التعريض أهون.
ومثال التعريض:
*ما روي أن مطرفًا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض، وقال: ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله.
*وقال إبراهيم: إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل: إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء. فيكون قوله: «ما» حرف نفي عند المستمع، وعنده الإبهام.
*وكان معاذ بن جبل عاملًا لعمر - ﵁ - فلما رجع قالت له امرأته: ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم؟
_________________
(١) صح ذلك موقوفًا على عمر - ﵁ - بلفظ: (أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب؟) انظر: صحيح الأدب المفرد للألباني رقم (٦٨٠).
[ ١١ ]
وما كان قد أتاها بشيء. فقال: كان عندي ضاغط، قالت: كنت أمينًا عند رسول الله - ﷺ - وعند أبي بكر - ﵁ - فبعث عمر معك ضاغطًا؟ وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر، فلما بلغه ذلك دعا معاذًا وقال: بعثت معك ضاغطًا؟ قال: لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك، فضحك عمر - ﵁ - وأعطاه شيئًا، فقال أرضها به - ومعنى قوله ضاغطًا: يعني رقيبًا وأراد به الله تعالى.
*وكان النخعي لا يقول لابنته: أشتري لك سكرًا، بل يقول: أرأيت لو اشتريت لك سكرًا؟ فإنه ربما لا يتفق له ذلك.
*وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار، قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد، ولا تقولي له ليس ههنا كيلا يكون كذبًا.
*وكان الشعبي إذا طلب في المنزل من قبل شخصٍ وهو يكرهه خط دائرة، وقال للجارية: ضعي الأصبع فيها وقولي: ليس ههنا.
وهذا كله في موضع الحاجة، فأما في غير موضع الحاجة فلا، لأن هذا تفهيمًا للكذب - وإن لم يكن اللفظ كذبًا - فهو مكروه على الجملة، كما روى عبد الله بن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - فخرجت وعلى ثوب، فجعل الناس يقولون: هذا كساه أمير المؤمنين؟ فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرًا، فقال لي أبي: يا بني اتق الكذب وما أشبه، فنهاه عن ذلك، لأن فيه تقريرًا لهم على ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة منه.
[ ١٢ ]