أخي المسلم: الكذب أساس الفجور، كما قال النبي - ﷺ - «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» (١).
وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده، ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها عملها كما أفسد على اللسان أقواله، فيعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله، فيستحكم عليه الفساد ويترامي داؤه إلى الهلكة إن لم يتداركه الله بدواء الصدق يقلع تلك المادة من أصلها.
ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب. فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق. وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب، والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يعقده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأنه يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب.
ومن أقوال وأفعال السلف هذه الدرر المختارة:
قال علي﵁: - أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب، وشر الندامة ندامة يوم القيامة.
_________________
(١) جزء من حديث رواه البخاري (١٠/ ٤٢٣)، ومسلم رقم (٢٦٠٦).
[ ٢١ ]
*كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم فحلف فتصدق به، ثم جعل أن يتصدق بدينار، فكان إذا حلف صادقًا في عرض الكلام تصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان إذا اكتسى ثوبًا جديدًا كسا بقدر ثمنه الشيوخ العلماء، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز ثم يعطيه إنسانًا فقيرًا، فإن كان في الدار من عياله إنسان يحتاج إليه دفعه إليه، وإلا أعطاه مسكينًا.
*عن أبي بردة بن عبد الله بن أبي بردة قال: كان يقال: إن ربعي بن حراش - ﵁ - لم يكذب كذبًا قط، فأقبل ابناه من خراسان قد ناجلا، فجاء العريف إلى الحجاج فقال: أيها الأمير: إن الناس يزعمون أن ربعي بن حراش لم يكذب قط، وقد قدم ابناه من خراسان وهما عاصيان، فقال الحجاج: عليّ به، فلما جاء قال: أيها الشيخ. قال: ما تشاء؟ قال: ما فعل ابناك؟ قال: المستعان الله خلفتهما في البيت، قال: لا جرم والله، لا أسوؤك فيهما، هما لك.
*وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله فإن كان صادقًا صدف، وإن كان كاذبًا قرضت شفتاه بمقاريض من نار، كلما قرضتا نبتتا.
*وقال مالك بن دينار: الصدق والكذب يعتركان في القلب، حتى يخرج أحدهما صاحبه.
[ ٢٢ ]
*وعن هارون بن رئاب قال: لما حضرت عبد الله بن عمرو الوفاة قال: إنه كان خطب إليّ ابنتي رجل من قريش، وكان مني إليه شبيه الوعد، فو الله لا ألقي الله - ﷿ - بثلث النفاق اشهدوا أني قد زوجتها إياه.
*وكلم عمر بن عبد العزيز: الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له: كذبت، فقال عمر: والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.
*جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني له فانكبت عليه، فقالت: كيف أنت يا بني؟ فسأل الربيع: أرضعتيه؟ قالت: لا، قال: ما عليك لو قلت: يا ابن أخي، فصدقت؟
*قال يزيد بن ميسرة: الكذب يسقي باب كل شر، كما يسقي الماء أصول الشجر.
*قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت كذبة منذ شددت على إزاري.