الخطبة الأولى الحمد لله الذي أرسل السحائب بالمطر، فتحت حتى ارتجت النهر، حتى عجت الغدر، فضجت مما لجت الجدر، فرجعت على الورق الشكر، فلما أقلعت أطلعت الثمر، وظهرت من التخوم كالنجوم الزهر، وشكرت حتى سكرت غصون ضمر، وارتعت إذا سعت فشبعت خيل وحمر، وبان زخرف الدنيا وأفلح الضمر، فسبحان مدبر الفلك ولو لم يدر لم يدر، العادل في اقضيته لم يخف ولم يجر، قسم عباده فمنهم الفهماء ومنهم الغثر، ومنهم مستقيم القدم وفيهم العثر، ومنهم أرباب التقى ومنهم الغجر، أرسل طوفان الفتن فغطى البحار الزخر، ثم بنى لأهل الصلاح (ذاتُ ألواحٍ وُدسرٍ) فسلموا وغنموا وبحر الباقون كالجزر، فإن سألت عن الناجين فهم الخائفون الحذر، تمسكوا بعرى التقى كالمدابير الغدر، نصبوا إذا إنتصبوا فنصبت لهم السرر، وإن سألت عن الهالكين فقوم رضوا بالمياه الكدر، فوقعوا في حومة غفلة وفي ضيق شعر، أطلقوا أنفسهم في أغراضها كالسوائب والبحر، فكيف رأيت ماشيهم قد وقع ولم يثر، (كَذَبَت عادُ فكيفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) .
الخطبة الثانية
[ ٦ ]
الحمد لله الذي جعل الدنيا على الحقيقة معبر اعتبار، يغتفر ملاح سفينتها إلى جذفٍ واصطبار، ولم يرضها لأوليائه فبنى لهم غير هذه الدار، وبالغ في ذمها ويكفي ما فيها من الأكدار، غير أنه زينها وطفل الهوى ذو اغترار، زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فللشهوات حيلة غيار، من النساء وللنساء حبائل الشيطان المكار، تخرب إحداهن الدين بعد أن تخرب الدار، فالعربي يقول من معاشرتهن ويلي والأعجمي يصيح زنهار والبنين وكم صغر قاسى الأب لأجل الصغار، فلما ترقوا فعقوا والعقوق من الذنوب الكبار، والقناطير المقنطرة وما اجتمعت إلا بأوزار، والخيل المسومة يجول بها في حلبة العجب المغوار، بينا تجري براكبها عثرت به أي عثار، والأنعام وهي معجبة للمالك والنظار، بينا هي في صعود الزيادة إذا صاحبها إلى القبر في انحدار، والحرث مخضرًا ومصفرًا مختلف الألوان والأزهار، تبدلت أوراقه عن الورق غربان البين فقامت تندب الآثار (ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنِيا) وهل المتاع إلا عارية تعار، أسمعتم عيوب العاجلة أيشتري زنابير التمر مشتار، (أؤُنَبِّئكُم بِخَيرٍ مِن ذَلكُم لِلَّذينَ اِتَّقَوا عِندَ ربِّهم جَناتُ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ) .