بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - ولكن نقول أن من وفّره بنية اتباع النبي وأصحابه فإنه لا يلام على ذلك، ولكن إن كان شعارًا لأهل الفسق فينبغي مخالفته؛ لأنها لم تثبت بها سنة صريحة، وتغلب جانب المفسدة إذا تحققت.
فحينئذٍ يكره ترك الشعر وقد نص على مثل هذا ابن عبد البر - ﵀ - في التمهيد وغيره من أهل العلم، قال ابن عبد البر: وإنما توفية الشعر وإكثاره في عصرنا، إنما هو لأهل الفسق والمجون. (١)
وأما بالنسبة لحكم حلق الشعر، فقد اختلف فيه أهل العلم - رحمهم الله تعالى - وقد قسّم أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - الحلق إلى أقسام:
القسم الأول: هو حلق الرأس على وجه التدين والتعبد والزهد من غير حج ولا عمرة أو عند التوبه فهذا ونحوه من البدع.
القسم الثاني: حلقه في نسك الحج أو العمرة، فيكون مخيرًا فيها بين الحلق وبين التقصير، وهذا واجب، وقربة.
_________________
(١) التمهيد (٦/ ٨٠).
[ ١٠٩ ]
القسم الثالث: ما تدعو إليه الحاجة؛ كحجامة، أو تداو بالحلق، أو ما أشبه ذلك، فهذا مباح.
القسم الرابع: حلقه لغير حاجة فمن أهل العلم من كره حلق الرأس والمواظبة عليه، وهذا مشهور مذهب مالك، واستدل بأن الخوارج سيماهم التسبيد، أي التحليق، وكانوا يواظبون عليه، ولما جاء ذو الخويصرة التميمي، وكان كث اللحية، محلوق الرأس، وقال النبي - ﷺ -: «يخرج من ضئضئ هذا الرجل» أي من أصله أناس يتشبهون به، وقد خرج الخوارج بهذا الشيء، ولما أمر النبي - ﷺ - بمقاتلتهم، قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من الدين (١) سيماهم التحليق، أي يلزمونه، وقيل يوجبونه ويتعاهدون رؤوسهم دائمًا بالحلق، ومن هنا كرهه الإمام مالك.
وجمهور أهل العلم على جواز الحلق بلا حاجة، واحتجوا بما سيأتي من كونه - ﷺ - نهى عن القزع، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين (٢)، وفسره نافع أن يحلق بعض شعر رأس الصبي ويترك البعض، فدل على أن القزع المحرم أن يحلق بعض الشعر ويترك بعضه، وأما إذا حلقه كله أو تركه
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ١١٠٢١ و١١٢٩٣) والبخاري (رقم: ٤٠٩٤) ومسلم (رقم: ١٠٦٤) وأبو داود (رقم: ٤٦٦٧) والنسائي (رقم: ٨٥١١).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١١٠ ]
كله فمباح، فدل على أن الحلق كليًا مباح، وهذا هو الصحيح، لكن المواظبة على الحلق من غير حاجة ولا تداو ولا مصلحة تعود إلى الشخص ينبغي تركها، إنما يفعله للحاجة.
وأما حكم حلق بعض الرأس وترك البعض، فقد ثبت في الصحيحين من غير وجه من حديث ابن عمر، من طريق نافع مولى ابن عمر، عنه، ومن طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه: أن النبي - ﷺ - نهى عن القزع. (١)
والقزع مأخوذ من القزعة، وهي السحابة المنفردة في السماء، ومنه قول أنس في حديث الاستسقاء: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، فخرجت سحابة من خلف سلع، ثم توسطت السماء ثم رعدت. (٢) الحديث.
فالقزع مثل ما فسره نافع، هو: أن يحلق بعض شعر الصبي ويترك البعض.
وأجمع العلماء على كراهيته ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، واختلف في علة الكراهة:
_________________
(١) سبق تخريجه ص٦٢.
(٢) أخرجه البخاري (رقم: ٩٦٧ و٩٦٨) ومسلم (رقم: ٨٩٧).
[ ١١١ ]
فقيل: أنه يشوه الخلقة، وقيل: أنه زي الشيطان وصفته، وقيل: أنه من زي اليهود، وعلى هذه العلة الأخيرة يكون القزع من التشبه بالكفرة.
وصورة القزع: هو: أن يحلق بعض الرأس ويترك البعض، ففي أي بقعة وقع الحلق مع ترك الباقي فهذا قزع، سواءً كان هذا المحلوق هو وسط الرأس وترك الجانبين، أو كان المحلوق الجانبين وترك الوسط، أو كان المحلوق من الأمام وترك الخلف، أو كان المحلوق من الخلف وترك الأمام، أو غير ذلك مما يكون فيه حلق البعض وترك البعض، فهذا كله من القزع المنهي عنه.
والمراد بالقزع المنهي عنه: أن يكون هناك استئصال للشعر، أو قريب منه.
ومما يكون من ذلك ما ذكر المؤلف، بقوله: (ويكره حلق القفا).
والصحيح أنه يحرم إلا لحاجة كالتخلص من أذى الشعر وحركته على الملابس، وأما لغير حاجة فكما أنه ارتكاب للنهي، ففيه أيضًا مشابهة للمجوس، على ما قيل
وقد قيل أن المجوس يحلقون القفا، فهذا لا يجوز؛ إلا إذا كان الإنسان يداوي بعض رأسه بالحجامة أو نحوها.
وعلم بهذا أن كثيرًا من قصات الشعر الموجودة التي يفعلها كثير من الشباب، داخلة في القزع المحرم، ومنها القصة المشهورة التي تسمى
[ ١١٢ ]
(الكابوريا) وهي التي يحلق أطراف الشعر من الصدغين والقفا، ويترك الوسط؛ كما أن القزع المحرم فيه تشبه بالكفرة، فهي جاءت من النصارى، فحينئذٍ تكون فيها مفسدتان.
أما ما يتعلق بأحكام شعر الرأس بالنسبة للمرأة، فإنه لا يتأتى فيها مسألة الحلق، وقد اختلف العلماء في حلق المرأة رأسها، ونقول: من أهل العلم من رأى جواز حلق شعر رأس المرأة عند الحاجة التي لا تصل إلى الضرورة، والصحيح أن المرأة لا يجوز لها أن تحلق رأسها.
وقد جاء في حديث خلاس بن عمرو، عن علي: أن النبي - ﷺ - نهى أن تحلق المرأة رأسها. (١) ولكن إسناده منقطع.
ولهذا فالمرأة في الحج والعمرة تقصر من شعرها تقصيرا يسيرا أيضًا، ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحيض: أن نساء النبي ﵊ لما مات قصصن رؤوسهن كالوفرة. (٢)
والوفرة هي الشعر الذي يضرب الأذنين، والجمة الشعر الذي يضرب إلى المنكبين، ومن هنا اختلف أهل العلم في قص المرأة شعر رأسها.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (رقم: ٩١٤).
(٢) أخرجه مسلم (رقم: ٣٢٠).
[ ١١٣ ]
فقال بعضهم: لا يجوز مطلقًا، وهذا اختيار صاحب كتاب المستوعب من الحنابلة.
وقال بعضهم: يجوز مع الكراهة، واستدلوا بفعل أزواج النبي ﵊، حينما قصصن شعورهن كالوفرة.
وهن فعلنه للحاجة، ولأنهن أيِسنَ من الأزواج بعد النبي ﵊، فهن أزواجه في الآخرة، ولا سبيل لهن إلى الزواج في الدنيا بعد موته، والشعر له كلفة ومؤونة، ولكن لا يتجاوز حد الوفرة، ولا يصل إلى حد شعر الرجال، وعليه فهو جائز إلى هذا الحد، لا سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ومن الحاجة كثرة الشعر، وتشعثه، وخروج رائحة منه، وقشرة، وما أشبه ذلك، وإلا فالأولى ألا تفعل، وأما فعل أزواج النبي - ﷺ - فالظاهر أنه كان يشق عليهن توفير الشعر، وليس حال الناس فيما مضى كالحال الآن، فالآن يمكن القضاء على هذه الآفات بالمستحضرات والغسل المتكرر، هذا إذا تجرد القص عن العلة المحرمة، فأما إذا كان القص مشابهةً لكافرة معينة، أو للكوافر بعامة، أو للفواسق، فهذا لا يجوز، لما فيه من التشبه.
ومن أهل العلم من قال: إن الوفرة هي ما وصل إلى المنكبين، وقال: إن شعر المرأة لا يجوز أن يكون أنقص من المنكبين.
[ ١١٤ ]
ولكن جمهور أهل اللغة على أن الوفرة هي إلى شحمة الأذن، وهذا مذهب جمهور أهل اللغة.
وأجاز بعض الحنابلة أن تقص المرأة شعرها من الأمام فقط، وتتركه من الخلف، لدعاء الحاجة لذلك، حتى لا ينزل على جبهتها ووجهها، والصحيح في مسألة قص الشعر من الأمام إذا دعت الحاجة إليه بالنسبة للمرأة، أنه لا بأس به؛ لأنه قد يؤذيها بكثرة سقوطه على وجهها، فتحتاج إلى كفّه.
[ ١١٥ ]