نقول: الأصل العموم، فإن الإنسان يسلم على كل أحد؛ لكن في مسألة السلام على النساء تفصيل، فالنساء ينقسمن بالنسبة إلى المُسلِّم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكن محارمًا.
القسم الثاني: أن يكن أجانب عن الرجل لكنهن من معارفه.
القسم الثالث: أجانب غير معارف.
فأما القسم الأول: وهن المحارم فلا إشكال في ذلك،وهن: من تحرم على الرجل على التأبيد، بنسب، أو سبب مباح، ويلحق بذلك الزوجة، فالإنسان يسلم على زوجه ومحارمه، كأمه، وأخته، وابنته، وعمته، وخالته، وابنة أخيه، وابنة أخته، وحديث السلام ينطبق على هذا الوصف بلا إشكال.
القسم الثاني: أجانب معارف.
والأجنبية: هي من سوى المحارم، فالصحيح أنه يجوز السلام عليها، كابنة العم، فإنها أجنبية، ويحل أن يتزوج منها، ويلقي السلام عليها إن لم يكن هناك فتنة، وهذا للقرابة وكذلك ابنة الخال للمعرفة، إن لم يكن هناك فتنة، ويلحق بهؤلاء زوجة الأخ، وأخت الزوجة، فإنهن أجانب معارف؛ لأن الصلة في مثل هذه الأمور قد تعارف الناس على أنها مستحبة، فيكره
[ ٢٩ ]
ترك السلام عند اللقاء، لكثرة التلاقي بين هؤلاء الأجناس ولأن ترك السلام عند اللقاء هنا قد يدل على وحشة وجفاء، ما لم يكن هناك فتنة ظاهرة.
القسم الثالث: أجانب غير معارف وهن من سوى ذلك، من نساء العالمين، وهؤلاء لا يشرع السلام عليهن إن كن شوابّ، وعلى هذا جمهور السلف، وعلله المؤلف بقوله:
(فإن ذلك يجلب جوابهن وسماع أصواتهن وعساه يجلب الفتنة وكم من صوت جر هوى وعشقا)
ولا شك أن الأجنبية من غير المعارف لا يشرع استنطاقها إلا لحاجة وحينئذ لا يشرع السلام عليها، ولهذا هي لا تؤذن ولا تقيم ولا تنبه في الصلاة؛ إلا بالتصفيق خشية الفتنة، ثم إن ترك السلام عليها لا ينافي الإفشاء.
ومحادثة المرأة الأجنبية لا يجوز إلا للحاجة، وتكون هذه المحادثة بقدر تلك الحاجة، وإلا هو باب فتنة وبلاء، والتلذذ بذلك من المحرمات ومما يفسد قلب العبد، ويجلب له المصائب.
[ ٣٠ ]
والله ﷿ نهى النساء عند محادثة الرجال عن الخضوع بالقول، وهو تليينه وترقيقه، فنهى الله نساء نبيه عن ذلك وهن سيدات نساء الأمة ﵅، فقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (١) والنهي عن الخضوع بالقول فيه إباحة للقول دون ذلك، لأن النهي عن الأخص مستلزم لجواز الأعم، وشواهد ذلك من السنة لا تحصر، وأمَّا ما أخرجه أحمد في المسند من حديث أم عطية ﵂، قالت: «كنت فيمن بايع النبي - ﷺ - فكان فيما أخذ علينا أن لا ننوح ولا نُحَدِّث من الرجال إلا محرمًا (٢)» فلا يصح.
وروي النهي عن محادثة النساء ولا يصح أيضًا. (٣)
ولكن يستثنى من الأجانب غير المعارف صنفًا واحدًا وهنَّ العجائز، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسلمون على العجائز، ومن ذلك ما وقع في حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري، أنه قال: إنا كنا نفرح
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٣٢).
(٢) مسند أحمد (رقم: ٢٠٨١٧).
(٣) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (فيض القدير: ٣/ ١٦٦) وعزاه إلى الحكيم الترمذي في كتاب الحج من حديث سعد بن مسعود ثم رمز له السيوطي بالضعف.
[ ٣١ ]
بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ من أصول سلق لنا، كنا نغرسه في أربعائنا، فتجعله في قدر لها فتجعل فيه حبات من شعير - لا أعلم إلا أنه قال - ليس فيه شحم ولا ودك، فإذا صلينا الجمعة زرناها فقربته إلينا، فكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك. (١)
مع العلم أنه ليس كل الذين مع سعد من المحارم، أو قد لا يكون سعد من محارمها، فالعجوز القاعدة عن النكاح لا بأس بالسلام عليها إذ لا فتنة.
قول المؤلف (والبارزات لعدم الفتنة بأصواتهن)
المراد بالمرأة البرزة: هي المرأة التي تحتاج إلى الخروج لتجارة، أو عمل، وعادة تكون كبيرة؛ لأن الأبكار والعواتق وذوات الخدور والعذارى، يكن في أماكنهن لا يخرجن، فقد كان نبينا - ﷺ -: «أشد حياءً من العذراء في خدرها». (٢)
_________________
(١) صحيح البخاري (٢/ ٨٢٧).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ١١٧٠١) والبخاري (رقم: ٣٣٦٩) ومسلم (رقم: ٢٣٢٠).
[ ٣٢ ]
وفي حديث أم عطية: كنا نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور في صلاة العيد. (١)
ففي ذلك الوقت كان لا يخرج في الغالب إلا الكبار، فقد كانت المرأة البرزة وهي الكبيرة تخرج وتتعاطى أمورًا، وتحتاج أن تكلم الرجال وقد نص أهل العلم على أن البرزة يجوز السلام عليها.
وبناء على ما تقدم فتنقسم الأجنبيات إلى ثلاثة أقسام:
١: الشابة فيترك السلام عليها بالاتفاق.
٢: العجوز الكبيرة فيسلم عليها.
٣: الكبيرة غير العجوز فيشرع السلام إذا احتيج إلى ذلك؛ كأن يكون لها حرفة، وإن لم يكن لها شيء من ذلك، ولم تكن هناك حاجة، فقد يقال: لا يشرع السلام.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٢٠٨١٨) والبخاري (رقم: ٣٤٤) ومسلم (رقم: ٨٩٠).
[ ٣٣ ]
ثم قال المؤلف: (ولا بأس بالسلام على حسن المعاشرة.)
الصبي هو: من لم يبلغ، فكل من لم يبلغ فهو صبي، وقد جاء في الصحيحين من حديث أنس - ﵁ -: أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي - ﷺ - يفعله. (١) وبوب عليه البخاري باب التسليم على الصبيان. (٢) وتأمل كيف بدأهم بالسلام ﵊، مع قوله ليسلم الصغير على الكبير. . كل هذا من كمال خصاله وجميل فعاله بأبي هو وأمي، وحتى يتربى الصغار على مثل هذا فإن الصبية يحتاجون للتكرار في التعليم والتربية.
فيسلم على الصبيان حتى لو كانوا منفردين، وهذه هي سنته ﵊.
والتسليم على الصبيان من إفشاء السلام، ومن حسن الأدب معهم، سواء غلب على ظنه أنهم سيردون أم لا، ويشمل هذا الصبيات أيضًا ما لم يكن هناك ريبة، وفي سلامه - ﷺ - عليهم دلالة لما تقدم ذكره من أن المارّ هو الذي يسلم على القارّ كما تقدم تقريره في جميع الأحوال وهذا ظاهر بحمد الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥٨٩٣) وصحيح مسلم (رقم: ٢١٦٨).
(٢) صحيح البخاري (٥/ ٢٣٠٥).
[ ٣٤ ]
ثم قال المؤلف: (ويستحب السلام أشد استحبابًا)
جاء هذا في السنن من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ -، قال: «إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس فَلْيُسَلِّمْ فإن بدا له أن يجلسَ فليجلسْ ثم إذا قام فَلْيُسَلِّمْ فليست الأُولَى بِأَحَقَّ من الآخرة» (١)
يعني ليس السلام الأول بأحق من السلام الآخر، فإذا قدمت على أناس جلوس فسلم، فإذا قمت فسلم إذا كانوا جلوسًا، فإن انصرفوا جميعًا فإنه يسلم إذا فارقهم، ويُنَزَّل الفراق منزلة الانصراف من المجلس.
ثم قال المؤلف: (والدخول أشد استحبابًا)
وهذا لا شك فيه كما تقدم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٩٦٦٢) وأبو داود (رقم: ٥٢١٠) والنسائي (رقم: ١٠٢٠١) والترمذي (رقم: ٢٧٠٦) وقال: حسن. وابن حبان (رقم: ٤٩٤). وقال النووي في الأذكار: أسانيده جيدة، وقال الحافظ في تخريج الأذكار: هذا حديث حسن. انظر الفتوحات الربانية (٣/ ٨٧).
[ ٣٥ ]