تتمة:
جاء في ترجمة عبد الله بن وهب القرشي: أنه قال: عالجت نفسي في الغيبة فكنت كلما اغتبت أحد صليت ركعتين فكثرت صلاتي، فقلت لنفسي إن اغتبتي أحدًا لأصومن يومًا فكثر صيامي فقلت لنفسي إن اغتبتي أحدًا لأتصدقن بدرهم فأمسكت عن الغيبة (١).
فائدة:
وقفت على كلام لشيخ الإسلام - ﵀ - ونصه: " فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله ويقول والله إنه مسكين أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت وربما يقول دعونا منه الله يغفر لنا وله وإنما قصده استنقاصه وهضما لجنابه
_________________
(١) (٩/ ٢٢٧) سير أعلام النبلاء، وعلق الذهبي: هكذا والله كان العلماء وهذا هو ثمرة العلم النافع.
[ ٢٢٢ ]
ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه
ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان لما بلغني عنه كيت وكيت ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده أو يقول فلان بليد الذهن قليل الفهم وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين الغيبة والحسد وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح أو في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت فيخرج اسمه في معرض تعجبه
ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول مسكين فلان غمني ما جرى له وما تم له فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به ولو
[ ٢٢٣ ]
قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه
ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر والله المستعان ". (١)
وننبه إلى حديث أخرجه الضياء المقدسي في المختارة (رقم:١٦٩٧) من طريق حبان بن هلال نا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيء لهما طعاما فقال أحدهما لصاحبه إن هذا ليوائم نوم نبيكم ﷺ فأيقظاه فقالا إئت رسول الله ﷺ فقل له إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك فقال أقرأهما للسلام وأخبرهما أنهما قد إئتدما ففزعا فجاءا إلى النبي - ﷺ - فقالا يا رسول الله بعثنا إليك نستأدمك فقلت قد آئتدما فبأي شيء ائتدمنا قال بلحم أخيكما والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما قالا فاستغفر لنا قال هو فليستغفر لكما
لفظ ابن صاعد وفي رواية السامري (يخدم بعضهم بعضا) وعنده (يخدمهما فنام) وعنده (فقالا إن هذا ليوائم نوم بيتكم) وعنده بعد
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية - (٢٨/ ٢٣٨).
[ ٢٢٤ ]
يستأدمانك (فأتاه فقال - ﷺ - أخبرهما) وعنده (قال بأكل لحم أخيكما إني لأرى لحمه بين ثناياكما) وقد رواه عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن العرب كانت تخدم بعضهم بعضا في الأسفار فذكره قيل الموائمة الموافقة ومعناه إن هذا النوم يشبه نوم البيت لا نوم السفر عابوه بكثرة النوم ا. هـ.
قلت: ورواية عفان أصح فإن عفان من أثبت أصحاب حماد وهو أثبت من حبان فالصحيح أن الحديث من مراسيل عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يصح رفعه، وقد أخرجه الخرائطي أيضًا في مساويء الأخلاق، وقد اغتر بعض المتأخرين فصححه ووهم في ذلك.
[ ٢٢٥ ]