فَصْلٌ
السَّلَامُ المُبْتَدَأُ يَكُوْنُ مِنَ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَمِنَ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي وَالجَالِسِ، وَالابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَإِذَا سَلَّمَ الوَاحِدُ مِنَ الجَمَاعَةِ المُشَاةِ أَوِ الرُّكَّابِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنَ الجُلُوسِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ.
وَصِفَةُ السَّلَامِ: سَلَامٌ عَلَيْكُم، وَصِفَةُ الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ.
وَالزِّيَادَةُ المَأْمُوْرُ بِهَا المُسْتَحَبَّةُ: وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ (وَرَحْمَةُ اللهِ)؛ لِيَتْرُكَ لِلْمُجِيْبِ الزِّيَادَةَ المَأْمُوْرَ بِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ، بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدِّهَا.
وَإِذَا سَلَّمَ ثُمَّ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ اِلْتَقَوْا عَادَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ، كَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَضِيَ عَنْهُم.
وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى شَوَابِّ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْلُبُ جَوَابَهُنَّ، وَسمَاعَ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَسَاهُ يَجْلُبُ الفِتْنَةَ، وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ جَرَّ هَوَىً وَعِشْقًا.
[ ١٣ ]
وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى العَجَائِزِ وَالبَارِزَاتِ؛ لِعَدَمِ الفِتْنَةِ بَأَصْوَاتِهِنَّ، وَلِأَنَّ البَرْزَةَ تَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ سَلَامِهَا، وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ؛ لِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ فَيُقِيْمَ الشَّهَادَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ، وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ.
وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ، تَعْلِيْمًا لَهُمْ لَلْأَدَبِ، وَتَحْبِيْبًا لِحُسْنِ الخُلُقِ، وَتَدْرِيْبًا عَلَى حُسْنِ المُعَاشَرِةِ.
وَيَسْتَحَبُّ السَّلَامُ عِنْدَ الإِنْصِرَافِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدُّخُوْلِ، وَالدُّخُوْلُ أَشَدُّ اِسْتِحْبَاْبًا.
المؤلف - ﵀ - تعرض في هذا الفصل لمسائل السلام، ومسائل السلام عديدة وقد ألفت فيها مجلدات، وسأذكر منها ما يحتاج إليه مما ذكره المؤلف، وسأزيد عليه شيئًا يسيرًا إن شاء الله.
فنأتي إلى حكم السلام في البداية وفضله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -، قال: «لا تدخلون الجنة حتى
[ ١٤ ]
تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (١) وجاء في الباب أخبار عدة.
واختلف أهل العلم في حكم الابتداء بالسلام: فقال بعضهم: إنه واجب، واحتج بحديث البراء بن عازب - ﵁ -، أنه قال: أمرنا النبي - ﷺ - بسبع - ومنها «إفشاء السلام» (٢) وأيضًا بما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ -، قال: «خمس تجب للمسلم على أخيه» وفيه: «إذا لقيته فسلم عليه» (٣) وهذا أمر وقال قبله: تجب.
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٥٤) وأخرجه أحمد (رقم: ٩٠٧٣) وأبو داود (رقم: ٥١٩٣) والترمذي (رقم: ٢٦٨٨) وابن ماجه (رقم: ٦٨) وابن حبان (رقم: ٢٣٦).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ١٨٦٩٩) والبخاري (رقم: ٤٨٨٠ و٥٣١٢) ومسلم (رقم: ٢٠٦٦) ولفظه لمسلم: عن معاوية بن سويد بن مقرن، قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته، يقول: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا، عن سبع، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج.
(٣) أخرجه أحمد (رقم: ١٠٩٧٩) والبخاري (رقم: ١٢٤٠) ومسلم (رقم: ٢١٦٢) وأبو داود (رقم: ٥٠٣٠) وغيرهم، ولفظه عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات، ويجيبه إذا دعاه» وفي رواية: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» وفي رواية: == == «خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز».
[ ١٥ ]
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الابتداء إنما هو سنة مؤكدة، واتفقوا جميعهم على أن الرد فرض، والمؤلف هنا مشى على أن الابتداء بالسلام سنة، والقول بالوجوب قول قوي، ولكن عامة أهل العلم على أنه سنة مؤكدة.
ثم قال المؤلف: (السلام المبتدأ والابتداء به سنة)
وهذا لفظ حديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» (١)
فالسنة جاءت بأن الصغير يسلم على الكبير، وأن الماشي على الجالس، وأن القليل على الكثير، وأن الراكب يسلم على الماشي، ومعناه أنه مؤكد في حق الصغير، ومؤكد في حق الماشي، وفي حق القليل، وحق الراكب، والتمس العلماء حكمًا في سبب أمر هؤلاء بالابتداء، وهي ظاهرة، فنحن نغلب جانب الوارد على القارّ، لأنه قد تتعارض هذه المسائل، فيكون ماشٍ كبير على قاعد صغير، أو ماشٍ قليل على قاعدٍ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (رقم: ١٩٤٤٥) أحمد (رقم: ٨١٤٧) والبخاري (رقم: ٦٢٣١) وأبو داود (رقم: ٥١٩٨) والترمذي (رقم: ٢٧٠٤).
[ ١٦ ]
كثير، أو ماشٍ كثير على راكب قليل، فنغلب في هذه الأشياء جانب الوارد، سواءً كان الوارد كبيرًا أو قليلًا أو ماشيًا، فإنه يسلم على القاعد الصغير والقاعد الكثير والراكب القليل.
وقوله ﵊: «يسلم الصغير على الكبير» هذا محمول على حالة التلاق، ولكن إذا كان الصغير قاعدًا، والكبير ماشيًا، فإن الكبير هو المأمور بالسلام؛ لأنه وارد على الصغير كما تقدم تقريره، وإذا ترك فيسلم الصغير، وأما حين التلاق والحركة من الطرفين فالصغير يسلم على الكبير والقليل على الكثير والراكب على الماشي.
ثم قال المؤلف: (وإذا سلم الواحد أجزأ عن الجماعة)
عامة أهل العلم على أن الجماعة يجزئ عنهم أن يسلم الواحد منهم، ويجزئ عن القاعدين أن يرد أحدهم، وجاء هذا في حديث رواه أبو داود وأبو يعلى والبيهقي من طريق سعيد بن خالد الخزاعي قال حدثني عبد الله بن الفضل حدثنا عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يجزئ عن الجماعة أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن
[ ١٧ ]
القاعدين أن يرد أحدهم» (١) والحديث جاء مرسلًا كما عند مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم (٢) ومتصلًا كما عند أبي دواد وغيره (٣)
كما تقدم لكن إسناد المتصل ضعيف، وحسنه ابن عبد البر في التمهيد (٤) وابن حجر في الفتوحات الربانية (٥) وأعله الدارقطني في العلل (٦)، وهذا الحديث ذكره الحافظ في بلوغ المرام ووهم حينما عزاه إلى أحمد إذ ليس هذا الحديث في المسند. (٧)
وقد قال لي شيخنا ابن باز -﵀- التمسه في المسند. فقرأت مسند علي كله من المسند فلم أجده، فلما أصبحت أخبرته بذلك، وقلت
_________________
(١) أخرجه البزار (رقم: ٥٣٤) والبيهقي (رقم: ١٧٧٢٥) وفي شعب الإيمان (رقم: ٨٩٢٢). وقال عقبه: فيه سعيد بن خالد الخزاعي ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم وقال الدارقطني: والحديث غير ثابت تفرد به سعيد بن خالد وليس بالقوي.
(٢) الموطأ (رقم: ٣٥٢٤) وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم (رقم: ١٩٤٤٣) وأخرجه البيهقي شعب الإيمان من طريق عبد الرزاق (رقم: ٨٩٢٣).
(٣) أخرجه أبو داود (رقم:٥٢١٢) وأبويعلى (رقم:٤٤١) والبيهقي (رقم:١٧٧٢٥).
(٤) التمهيد (٥/ ٢٩٠).
(٥) الفتوحات الربانية (٣/ ٣٩).
(٦) علل الدارقطني (٤ / رقم ٤١٣).
(٧) انظر بلوغ المرام حديث (رقم: ١٤٤٤).
[ ١٨ ]
له: الحافظ نفسه في شرح البخاري لم يعزه لأحمد (١). فقال الشيخ: هذا وهم وقع له في البلوغ ﵀، وأيضًا ليس في أطراف المسند الحنبلي للحافظ نفسه.
وعليه فالجماعة إذا مروا يكون ابتداؤهم بالسلام سنةً كفائية.
ثم قال المؤلف: (وإذا رد واحد الجماعة)
نقول إن سلم الجميع فهو أولى، والمراد بالجماعة: اثنان فصاعدًا، وحينئذ يكون الرد على القاعدين فرض كفاية، فيكفي عن الجماعة القاعدين أن يرد واحد منهم، ويسقط الرد عن البقية، ولكن بشرط: إذا سلم الواردون كلهم أو واحدًا منهم بلفظ: "السلام عليكم"، جمعًا، فإما أن يرد الجميع أو واحد منهم بلفظ: "وعليكم السلام"، ولا يقول: "وعليك السلام"، لأن الظاهر أن الأول سلم نيابة عن القادمين، فيجب أن يرد هذا نيابة عن القاعدين.
فإذا سلم أحد الواردين على أحد القاعدين لم تحتسب السنة للبقية، وكان هذا السلام من أجل المعرفة الذي نهى عنه النبي - ﷺ -، فقد روى الطبراني في المعجم الكبير من طريق إبراهيم عن علقمة، قال: لقي عبد الله
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ١١).
[ ١٩ ]
بن مسعود أعرابيًا ونحن معه، فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن فضحك، فقال: صدق الله ورسوله سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة وإن هذا عرفني من بينكم فسلم علي» (١) أي: يسلم على من يعرف، ويترك البقية، وهذا موجود سواءً كان في السلام أو المصافحة، فتجد بعض الناس يلتقي بعضهم مع بعض فيسلم الواحد على صاحبه الذي يعرفه ويترك البقية.
ثم قال المؤلف: (وصفة السلام: ورحمة الله وبركاته)
أما الابتداء فيجوز: "سلام عليكم"، والأفضل أن يكون معرفًا: "السلام عليكم"، وكذلك يكون: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وفي الرد إن شاء قال: "وعليكم السلام"، بالواو، وإن شاء قال: "عليكم السلام"، وترك الواو ما ينبغي، وإن شاء قال: "السلام عليكم"، حتى في
_________________
(١) المعجم الكبير (٩/ ٢٩٧) وأخرجه وابن أبي شيبة (رقم: ٢١٠) وأحمد (رقم: ٣٦٦٤) ومشكل الآثار للطحاوي (رقم: ١٣٧٣)، وللحديث شاهد من حديث ابن مسعود: «أن بين يدي الساعة تسليم الخاصة ) الحديث رواه أحمد (رقم: ٣٨٧٠ و٣٩٨٢) والبخاري في الأدب المفرد (رقم: ١٠٤٩) والطحاوي في مشكل الآثار (رقم: ١٣٧١) والحاكم (رقم: ٧٠٤٣) وقال: صحيح الإسناد. قال الهيثمي (٧/ ٣٢٩):رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح.
[ ٢٠ ]
الرد، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله» (١)، فيجوز في الرد أيضًا أن يقول الإنسان: "السلام عليك"، والأفضل أن يقول: "وعليكم السلام"، وسبق لنا أن هذا الرد فرض.
وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٢) فالأمر بالرد بالأحسن عند أهل العلم للاستحباب وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ فهذا الفرض، فيقول لمن سلم عليه: "السلام عليك"، أو "عليكم"، "وعليكم السلام"، ويستحب أن يقول: "ورحمة الله"، وإن زاد فهو أفضل، وإذا سلم عليك: "السلام عليكم"، أو قال "السلام عليكم ورحمة الله" وجب أن يرد عليه بقوله: "وعليكم السلام ورحمة الله"، وسن أن يزيد: "وبركاته"، وإذا سلم عليك: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وجب أن يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٣١٤٨ و٥٨٧٣) ومسلم (رقم: ٢٦٤١).
(٢) سورة النساء آية (٨٦).
[ ٢١ ]