فصل في كلام بعض أهل العلم في المسألة
قال النووي في المجموع (١/ ٣٤٩) الختان واجب على الرجال والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف كذا حكاه الخطابي وممن أوجبه أحمد وقال مالك وأبو حنيفة سنة في حق الجميع. ا. هـ.
وقال ابن عابدين في حاشيته تعليلًا لإباحة النظر إلى محل الختان لأن الختان سنة للرجال من جملة الفطرة لا يمكن تركها، وهو مكرمة في حق النساء.
وقال الباجي في شرح الموطأ (٧/ ٢٣٢): وقال مالك ومن ابتاع أمةً فليخفضها إن أراد حبسها وقال النساء يخفضن الجواري.
وقال أبو محمد في المغني (١/ ١١٥) فأما الختان فواجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس واجبًا عليهن هذا قول كثير من أهل العلم، وقال أحمد الرجل أشد.
وسئل شيخ الإسلام ﵀ (٢١/ ١١٤) عن المرأة هل تختن أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، نعم تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التى كعرف الديك قال رسول الله - ﷺ -، للخافظة، وهي الخاتنة: «أشمِّي ولا تنهكي،
[ ٨٥ ]
فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج» يعني لا تبالغي في القطع وذلك أن المقصود بختان الرجال تهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، ولهذا يُقال في المشاتمة يابن القلفاء! فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد في نساء التتر ونساء الافرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود بالاعتدال. أ. هـ.
وقال ابن القيم في تحفة المودود «الفصل التاسع» في أن حكمه يعني الختان يعم الذكر والأنثى.
قال صالح ابن أحمد: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل؟ قال إذا التقى الختانان وجب الغسل.
قال أحمد وفي هذا أن النساء كن يختتن، وسئل عن الرجل تدخل عليه امرأته فلم يجدها مختونة أيجب عليها الختان؟ قال الختان سنة.
قال الخلال: وأخبرني أبو بكر المروذي وعبد الكريم بن الهيثم ويوسف بن موسى؛ دخل كلام بعضهم في بعض أن أبا عبد الله سئل عن المرأة تدخل على زوجها ولم تختتن أيجب عليها الختان؟ فسكت والتفت إلى أبي
[ ٨٦ ]
حفص قال: تعرف في هذا شيئًا؟ قال: لا فقيل، إنه أتى عليها ثلاثون أو أربعون سنة فسكت قيل له فإن قدرت على أن تختتن؟ قال: حسن، قال وأخبرني محمد بن يحيى الكحال قال سألت أبا عبدالله عن المرأة تختتن؟ فقال خرجت فيه أشياء ونظرت فإذا خبر النبي - ﷺ -، حين يلتقي الختانان ولا يكون واحدًا إنما هو اثنان قلت لأبي عبد الله: فلا بد منه قال الرجل أشد وذلك أن الرجل يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة فلا يبقى ما ثمَّ، والنساء أهون قلت لا خلاف في استحبابه، واختلف في وجوبه وعن أحمد في ذلك روايتان أحدهما يجب على الرجل والنساء، والثانية يختص وجوبه بالذكور. ا. هـ.
وقال القاري في المرقاة (٨/ ٢٨٩) وأما النساء فمكرمة ففي خزانة الفتاوى ختان الرجال سنة واختلفوا في المرأة، فقال في أدب القاضي مكروه وفي موضع آخر سنة وقال بعض العلماء واجب وقال بعضهم فرض قلت والصحيح أنه سنة. أ. هـ.
ولمزيد النظر في الخلاف انظر: شرح السنة (١٢/ ١١٠) شرح الشنقيطي على النسائي (١/ ١٤٥)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (١/ ٣٦٢)، مجموع رسائل الشيخ ابن عثيمين (٤/ ١١٧)، أحكام الطفل
[ ٨٧ ]
للعيسوي ص ٢٠٦، مجموع مؤلفات ابن سعدي، الفقه (٢/ ٩٦)، فتاوى اللجنة جمع الدويش (٥/ ١١٩).
وقد حصل من أقوال العلماء في المسألة أقوال كما تقدم تبتدى من الكراهة حتى الوجوب، ولا شك أن إطلاق القول بأن حكم هذا الشيء محرم أو واجب لا بد له من دليل وإلا كان قولًا على الله بغير علم، وهو من أشد المحرمات، نسأل الله السلامة قال تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) (١)﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٢)
وقد روى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وأبو داود من طريق سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - «من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» ولفظ الدارمي: «من أفتى من غير ثبت» إسناده صحيح.
_________________
(١) النحل: ١١٦.
(٢) الأعراف: ٣٣.
[ ٨٨ ]
وروى الدارمي من طريق ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» مرسل جيد، واعلم أن أحاديث الأمر بالختان أو أنه سنة في حق المرأة كلها معلولة وقد ضعفها أبو داود، والبيهقي وابن عبد البر كما في التمهيد (٢١/ ٥٩)، وابن المنذر نقله عن المناوي في الفيض (١/ ٢١٦)، والعراقي كذلك ضعفها كما في تخريج الإحياء (١/ ٣١٢) والحافظ في الفتح (١٠/ ٣٤١)، والتلخيص (٤/ ٨٢ - ٨٣)، والشوكاني في النيل (١/ ١١٣) وغيرهم.
[ ٨٩ ]