فَصْلٌ
وَالغِيْبَةُ حَرَامٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ بِالمَعَاصِي وَالقَبَائِحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (١)
وَمَنْ ذَكَرَ فِيْ فَاسِقٍ مَا فِيْهِ لِيُحْذَرَ مِنْهُ، أَوْ سَأَلَ عَنْهُ مَنْ يُرِيْدُ تَزْوِيْجَهُ أَوْ شَرِكَتُهُ أَوْ مُعَامِلَتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُغْتَابًا لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ إِثْمُ الغِيْبَةِ، وَلَهُ ثَوَابُ النَّصِيْحَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «قُوْلُوْا فِيْ الفَاسِقِ مَا فِيْهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ».
وَلَا يُظَنُّ بِعُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى مَا هُوَ غِيْبَةٌ؛ عِنْدَ نَصِّهِ عَلَى السِّتَّةِ، وَجَعْلِ الشُّوْرَى فِيْهِم، وَذِكْرِ عَيْبِ كُلِّ وَاحِدٍ، بَلْ قَصَدَ بِذَلَكَ النُّصْحَ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلِأَهْلِ الإِسْلِامِ.
_________________
(١) الحجرات: ١٢.
[ ١٩٩ ]
قوله: (والغيبة حرام): أجمع العلماء على تحريم الغيبة، ودل على تحريمها النص والإجماع، فأما النص فما نقل المؤلف من آية الحجرات صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
ونقل بعض العلماء الإجماع على تحريمها، فقال بعضهم: إنها من الصغائر، ونقل القرطبي وغيره: أنها من الكبائر، والصحيح أنها من الكبائر. (١)
وأما حد الغيبة فأحسن من حدَّها هو النبي - ﷺ - فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وهو من مفاريده من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أتدرون ما الغيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل:
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٦١٥٧). والإحياء (٤/ ٤٢) والنووي في روضة الطالبين (١١/ ٢٢٤) وفتح الباري (١٠/ ٤٧٠).
[ ٢٠٠ ]
أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (١)
فقول النبي - ﷺ -: «ذكرك» يشمل الذكر القولي، والذكر الفعلي، ويشمل أقوال الإنسان، فلان كذا وكذا، ويشمل الإشارة أن يشير إشارة تفهم عنه فلان كذا وكذا؛ إما يعيبه في بدنه، أو فعله أو كلامه .. بإشارة مفهومة.
ولا غيبة لمجهول؛ لأن «ذكرك» تفيد التعيين.
اختلف أهل العلم في شمول هذا الذكر إذا تكلم الإنسان، أو قذف بغير حضرة أحد؛ كما لو كان وحده، فقال بعضهم: من خلا وحده خاليًا، وقال: فلان زانٍ فإنه يكون قاذفًا له، وعليه ما يترتب على القذف، وقال بعضهم: بل ليس هذا من القذف؛ لأنه لم يحصل للمقذوف ما يشينه ويقبحه، فلم يك قذفًا ولا غيبة ولا شيء، وهذا هو الصحيح؛ أنه لا يكون قذفًا كالقذف المعروف الذي يقام على صاحبه الحد، وليس عليه إثم القذف ولا يكون غيبةً وليس عليه إثم الغيبة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٢٥٨٩) وأخرجه أحمد (رقم: ٨٩٧٣) وأبو داود (رقم: ٤٨٧٤) والترمذي (رقم: ١٩٣٤) والنسائي (رقم: ١١٥١٨) وابن حبان (رقم: ٥٧٥٩) وأبو يعلى (رقم: ٦٤٩٣).
[ ٢٠١ ]
وهل يكون وجوده كعدمه سواء، فالجواب: لا يصل إلى درجة القذف أو الغيبة المحرمة؛ لأنه لم يحصل، وفي نفس الوقت لا يكون كمن لم يقل شيئا بل يكون بينهما.
فمن قذف شخصًا خاليًا لا يكون قاذفًا، ولا يكون عادمًا، ولا مرتكبًا لشيء يسير، بل يكون بينهما فهو إثم بين إثمين، وقد قرر هذا العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام.
قوله: «ذكرك»: يشمل القول والفعل وهذا الذكر يشمل إذا كان هذا في نفس المغتاب.
وهل المغتاب يطلق على الفاعل أو على المفعول؟
الجواب: يطلق على الاثنين والسياق هو الذي يحدد، فتقول فلان مغتاب للناس، كثير الشر، فهذا يراد به الفاعل، وفلان مغتاب عند الناس مسكين، يراد به المفعول، والسياق يحدد مثل مختار، ومن اغتاب أحدًا؛ فإنه يشمل نفسه وأهله وولده وعلمه وماله ومشيته وأكلته، وكل شيء يشنؤه الجرح فيه، وهو عرضه، والعرض هو جانب الإنسان الذي يسعى لصيانته وحفظه.
ومن الدلالة على الغيبة القولية: ما أخرجه أبو داود بإسناد قوي عن عائشة قالت: قلت للنبي - ﷺ - حسبك من صفية كذا وكذا، قال غير
[ ٢٠٢ ]
مسدد يعني قصيرة، فقال: «لقد قلتي كلمة لو مزجت بها البحر لمزجته» قالت: وحكيت له إنسانًا، فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانًا، وأن لي كذا وكذا» (١)
يعني لو كان لهذه الكلمة لون ثم خلطت بالبحر لغيرت لون هذا البحر، مما يدل على عظم هذا الأمر.
قول النبي - ﷺ -: «ذكرك» هذا من باب الإضافة إلى المفعول، أي ذكرت أنت المغتاب.
وقوله: «أخاك» هذا قيد، والأصل أن الكافر لا غيبة له، بناء على هذا التعريف؛ لأن الكافر ليس أخا للمسلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣)
والكافر ليس أخا للمسلم، غير أنه ليس معنى هذا أن الإنسان يغتاب ويتكلم فيه، فيقيد بالحاجة والمصلحة؛ وإلا هو غير داخل في تعريف الغيبة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٨٧٧) والترمذي (رقم: ٢٥٠٣) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الحجرات: ١٠.
(٣) التوبة: ١١.
[ ٢٠٣ ]
«أخاك» يشمل الرجل والمرأة، والصغير والكبير، ولو في المهد؛ لأنه أخًا لنا، فمن اغتاب صبيًا ولو في مهده، بقوله كثير الصياح مؤذي، وما أشبه ذلك، فالأصل أنه داخل في الغيبة، لكن قد يقال إن قوله - ﷺ -: «بما يكره» والصغير لا تتأتى منه كراهية، وقد يقال ينزل منزلة العاقل لحرمته. وأيضًا الأصل أن الغيبة تشمل جميع أهل الإسلام صغارًا وكبارًا، وتقبح حينما تكون في العلماء والولاة الصالحين.
ولا شك أن غيبة العالم الورع ليست مثل غيبة آحاد الناس.
وقوله: «بما يكره» ما هنا موصولة، أي: بالذي يكره وحذف المفعول ولم يقل بـ "الذي"، بل كل ما يكره في نفسه، أو في ماله، أو
في مشيته، فكل شيء يكرهه الآدمي لا يحل أن يتكلم فيه في حال غيبته.
ويظهر في هذا التعريف، أنه يشمل إذا كان يكره تزكيته؛ كما لو عُلم أنه إذا مُدح في وجهه، أو زكي يكره هذا، ويتألم غاية الألم، فهل إذا قيل هذا في غيبته يكون من الغيبة.
وعامة كلام العلماء أنه غير داخل في الغيبة، نظرًا إلى المعنى المقصود؛ ولأنه قد لا يحتاج إلى إذن هذا الشخص في تزكيته، قد يتعلق هذا بمصلحة أخرى؛ لكن إن خشي عليه العجب، فلا يجوز؛ لأنه قد يبلغه هذا الكلام
[ ٢٠٤ ]
فيفتتن، وقد يكون يتحدث عند أناس في مجلس فيسمع أنه مدح في مجلس فيه فلان وفلان، فيقع فيه العجب، فيهلك وقد بوب البخاري: باب في الغيبة (١)، وقال بعد باب ذكر الغيبة باب آخر باب قول النبي - ﷺ - خير دور الأنصار (٢) دار كذا وكذا وأدخله في الغيبة.
قال الحافظ: واستشكل إيراد البخاري لهذا الكتاب، ولعله أراد الرد على من قال: أن ذكر الإنسان بالخير إذا كان يكره غيبة، والصحيح أنه لا يشمل الغيبة؛ لكن ليس معناه أنه يتمادى فيه. (٣)
وكما سبق البيان عنه، بأن الغيبة من الكبائر جاء في الغيبة ما ذكره الحافظ في الفتح، عدة أحاديث من أحسنها ما رواه أبو داود من طريق ابن المصفى، حدثنا بقية، وأبو المغيرة، قالا: حدثنا صفوان، قال: حدثني
_________________
(١) صحيح البخاري - (٥/ ٢٢٤٩).
(٢) صحيح البخاري - (٥/ ٢٢٤٩ (.
(٣) ونصه: قال الحافظ: وفي إيراد هذه الترجمة هنا إشكال لأن هذا ليس من الغيبة أصلًا إلا إن أخذ من أن المفضل عليهم يكرهون ذلك، فيستثني ذلك من عموم قوله: «ذكرك أخاك بما يكره» ويكون محل الزجر إذا لم يترتب عليه حكم شرعي، فأما ما يترتب عليه حكم شرعي فلا يدخل في الغيبة، ولو كرهه المحدث عنه، ويدخل في ذلك ما يذكر لقصد النصيحة من بيان غلط من يخشى أن يقلد أو يغتر به في أمر ما، فلا يدخل «ذكره بما يكره» من ذلك في الغيبة المحرمة. فتح الباري - ابن حجر (١٠/ ٤٧١).
[ ٢٠٥ ]
راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» (١)
وهذا الإسناد لا بأس به وبقية صرح فيه بالتحديث، وأيضًا مقرونًا بغيره، وذكر الحافظ (٢) عدة أحاديث مجموعة، لا تقصر عن درجة الاحتجاج، فلا شك أن الغيبة من كبائر الذنوب.
قوله: (ومن ذكر في فاسق ما فيه ليحذر منه أوسأل عنه من يريد تزويجه أو شريكته أو معاملته لم يكن مغتاب له ولا عليه آثم الغيبة، وله ثواب النصيحة، لقوله النبي - ﷺ -: «قولوا في الفاسق ما فيه يحذره الناس»
والغيبة كبيرة، غير أنها قد تباح، ومن أهل العلم من حد هذه الأسباب، ومنهم من وضع قيدًا لحِل الغيبة، فمن وضع قيدًا لحِل الغيبة،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٨٨٠).
(٢) فتح الباري لابن حجر - دار المعرفة - (١٠/ ٤٧٠).
[ ٢٠٦ ]
قال: تباح الغيبة لكل غرض صحيح شرعًا حيث يتعين طريقًا للوصول إليه بها. (١)
وما سيأتي من صور هي من أفراد هذه الإباحة المقيدة بالقيد العام، بل قال بعضهم: إن الغيبة تحِل ولها أربع مائة صورة؛ كما ذكر المناوي نقلًا عن بعضهم في فيض القدير.
ذكر المؤلف صورًا مما تحل فيه الغيبة وقد نظمها بعضهم وذكر فيها:
الذّمُّ ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر
ولمظهر فسقًا ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر
وقوله: الذم يعني الغيبة.
قول الناظم: ليس بغيبة قد تكون الغيبة أحيانًا واجبة، وقد كان شعبة يقول لبعض من عنده: تعالوا بنا نغتاب في الله يعني يتكلمون في الرواة. (٢)
والأصل فيها التحريم؛ لكن قد تباح أحيانًا بل قد تجب.
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤٧٢).
(٢) الكامل لابن عدي (١/ ٦٩ (والضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ١١).
[ ٢٠٧ ]
ومما تباح فيه الغيبة، عند التظلم: كما قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (١) فكون الإنسان يتظلم عند من يرفع مظلمته عند حاكم أو أمير أو من يقدر على إزالة مظلمته فإنه جائز.
قوله: ومُعَرِّف كأن يُعرَّف الشخص بصفة فيه، للتعريف لا للعيب به؛ كقولهم، الأعمش، والأخفش، وفلان الأعور، وقد وجد رواة كثيرون لا يكاد يذكر اسمه في الإسناد بل يذكرون بنحو هذه الأوصاف للتعريف.
ومُحذِّر: كمن يُحذِّر الناس من مبتدع، ويدخل في ذلك من يجرح الشهود، ومن ذلك جرح رواة الحديث، فإن هذا ضرورة وتجب؛ لأنه صيانة للدين، وصيانة لكلام الله، وكلام الرسول - ﷺ -.
قوله: ولِمُظْهِرٍ فسقًا، أي: المجاهر، وعُلم من هذا أن غير المجاهر لا تحل غيبته فيما لم يجاهر به، أو يكون فاسقًا غير معلن، فهذا لا يجوز بل ينكر عليه، ولكن لا يجوز أن يفشى سره؛ لأن هذا كما أنه يضره، يهون المعصية على الناس، ودليل هذا ما أخرجه صاحبا الصحيح: أن النبي - ﷺ - استأذن له رجل، فقال: ائذنوا له بئس أخوُ العشيرة» يعني ذمًا له لما بلغه عنه - ﷺ -، قالت: عائشة فلما دخل ألان له القول - وكان النبي - ﷺ - لا
_________________
(١) النساء: ١٤٨.
[ ٢٠٨ ]
يواجه أحدًا بما يكره - فلما خرج، قالت عائشة: يا رسول الله، قلت ما قلت فلما دخل ألنت له القول، فقال: «إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» (١)
وينقل عن الحسن البصري، أنه قال: ليس لفاسق غيبة. (٢) وهذا لا يصح مرفوعًا، وأيضا في ثبوته عن الحسن مقال، ولو صح لكان محمولًا على المجاهر.
فمثلًا قول فلان مغني فهذا ليس من الغيبة، وأما إذا كان يستتر في معصيته كمن يشرب الدخان ولا يظهره عند الملأ، بل يأنف من ذلك
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٢٤١٥٢) والبخاري (رقم: ٥٦٨٥) ومسلم (رقم: ٢٥٩١) وأبو داود (رقم: ٤٧٩٥) والترمذي (رقم: ١٩٩٦) وفي لفظ البخاري: عن عائشة: «أنَّ رجلا استأذنَ على رسول الله - ﷺ - فلما رآه، قال: «بئس أخو العشيرة- وبئس ابن العشيرة -» فلما جلس تَطَلَّق النبي - ﷺ - في وجهه، وانبسط إِليه، فلما انطلق، قلت: يا رسول الله! حين رأيتَ الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلّقت في وجهه وانبسطتَ إِليه؟ فقال: «يا عائشة، متى عَهِدْتيني فَحَّاشا؟ إِنَّ مِنْ شَرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة: من تركه الناس اتِّقاء شره» وعند أبي داود: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاس الذين يُكْرَمُونَ اتقاء ألسنتهم».
(٢) أخرجه الطبراني (رقم: ١٠١١) والبيهقي في الشعب (رقم: ٩٦٦٥) من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس للفاسق غيبة» قال الهيثمى (١/ ١٤٩): فيه العلاء بن بشر، ضعفه الأزدي، وأورده ابن حبان في الثقات (رقم: ١٤٦٨٧) وقال: يروى عن ابن عيينة روى عنه جعدية بن يحيى المناكير. وقال الحافظ: والعلاء بن بشر هذا لا يعرف وله تمام خمسة أحاديث لا يتابع عليها. اللسان (رقم:٤٨٠).
[ ٢٠٩ ]
ويظهر كراهته، فلا يجوز لمن رآه وهو يشرب الدخان مختفيًا، أن يقول فلان يشرب الدخان وهذا من الغيبة المحرمة، بل عليه النصيحة والستر.
قوله: (ومستفتٍ)
كذلك كون الإنسان يستفتي عند المفتي، ودليله ما ثبت في الصحيحين في قصة هند امرأة أبي سفيان - ﵁ -: أنها أتت النبي - ﷺ -، فقالت: إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيني من ماله، فقال: «خذي ما يكفيك وما يكفي بنيك» (١)
وأمرها النبي - ﷺ - ولم ينهرها، فأقرها على قولها أنه مسيك أو بخيل وهذا يجوز عند الاستفتاء، ومثل المستفتي المستشير وسيأتي.
قوله: (ومن طلب الإعانة في إزالة منكر)
كذا من طلب الإعانة في إزالة منكر فدعا غيره لزوال منكر واستعان بهم ولا يستطيع إزالته بنفسه؛ كأن يكون الواقعون على المنكر جماعة فحينئذ لا بأس بذكر المنكر ومن يقوم به ولا غيبة لهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٢٣٢٨ و٣٦١٣) ومسلم (رقم: ١٧١٤).
[ ٢١٠ ]
ومن الصور التي لم يذكرها الناظم وقد تكون ضمن ما ذكر (المستشار)، كما جاء في سنن الترمذي: عن النبي - ﷺ -: «المستشار مؤتمن» (١) بإسناد لا بأس به.
وثبت في الصحيح: أن فاطمة بنت قيس القرشية أتت النبي - ﷺ - فقالت: إن معاوية وأبا جهل خطباني فكيف تقول، فقال: «أما معاوية فصعلوك - أي فقير معدم - وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (٢)
وجاءت في رواية أخرى عند مسلم أن أبا جهم ضَرَّاب للنساء «ولكن انكحي أسامة بن زيد» (٣) وفي رواية عند مسلم، قالت: فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت. (٤) فالشاهد جواز ذلك في الاستشارة.
وكذلك في الولاية لتولية أحد ولا يدرى هل يصلح لها أم لا، فيؤتى بشخص يعرف أحواله، وباطن أمره، حتى لا يولى على المسلمين من ليس
_________________
(١) أخرجه الترمذي (رقم: ٢٨٢٢ و٢٨٢٣) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم: ٢٥٦) والحاكم (رقم: ٧١٧٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. والبيهقي (رقم: ٢٠٨١٩) والحديث روي عن أبي هريرة وابن عباس وجابر بن سمرة وعمر وأم سلمة وسفينة مولى النبي - ﷺ -.
(٢) أخرجه مالك (رقم: ١٢١٠) وأحمد (رقم: رقم ٢٧٣٦٨» ومسلم (رقم: ١٤٨٠) وأبو داود (رقم: ٢٢٨٤) والنسائي (رقم: ٣٢٤٥).
(٣) أخرجه مسلم (رقم: ١٤٨٠).
(٤) من روايات الحديث السابق.
[ ٢١١ ]
بكفء سواء كانت الولاية ولاية عامة، أو خاصة فيجب على من كان على علم بحاله أن يخبر به، حتى تتم النصيحة لأهل الإسلام في ذلك.
وفيما تقدم من صورة الاستشارة يجب عليه أن يخبر ويكون مأجورًا، وله ثواب النصيحة، فإن أراد التشفي فإنه يأثم من هذه الجهة، وأما من حيث الإشارة فهو مثاب.
قول المؤلف قول النبي - ﷺ -: «قولوا في الفاسق ما فيه ليحذره الناس» (١)
لا يصح عن النبي - ﷺ - بل هو خبر باطل.
ولكن دلت الأحاديث على مقتضاه كما في صحيح مسلم (٢) وذكره البخاري في ترجمة باب (٣) حديث أبي رقية ولمسلم من حديث أبي رقية تميم
_________________
(١) ليس موجودا بهذا اللفظ، وجاء بلفظ مقارب له عند الطبراني (رقم: ١٠١٠) والبيهقي في السنن (رقم: ٢١٤٤٢) وفي الشعب الإيمان (رقم: ٩٦٦٧) وغيرهم: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال: رسول الله - ﷺ -: «أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يعرفه الناس» قال البيهقي: فهذا حديث يعرف بالجارود بن يزيد النيسابوري وأنكره عليه أهل العلم بالحديث سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ غير مرة يقول كان أبو بكر الجارودي إذا مر بقبر جده فى مقبرة الحسين بن معاذ يقول يا أبة لو لم تحدث بحديث بهز بن حكيم لزرتك. قال الشيخ وقد سرقه عنه جماعة من الضعفاء فرووه عن بهز بن حكيم ولم يصح فيه شيء.
(٢) وهو: باب بيان أن الدين النصيحة. صحيح مسلم (١/ ٧٤).
(٣) وهو: باب قول النبي - ﷺ - (الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) صحيح البخاري (١/ ٣٠).
[ ٢١٢ ]
بن أوس الداري عن النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة، قلن لمن يارسول الله .. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١)
قوله: (ولا يظن بعمر - ﵁ - أنه أقدم على ما هو غيبة عند نصه على الستة الشورى فيهم، من ذكر عيب كل واحد، بل قصد بذلك النصح لله ولرسوله ولأهل الإسلام)
لا أدري ما هو مراد المؤلف هل ذكر عمر كل واحد فيهم ولا اعلم أن عمر - ﵁ -، نص على هؤلاء الستة وذكر عيب كل واحد منهم، وفي خبر الصحيح بل هو خير لهم، وتزكية لهم، حينما نص عليهم ولعله أراد هذا الخبر: أن ابن عباس قال: خدمت عمر خدمة لم يخدمها أحد من أهل بيته، ولطفت به لطفا لم يلطفه أحد من أهله، فخلوت به ذات يوم في بيته وكان يجلسني ويكرمني، فشهق شهقة ظننت أن نفسه سوف تخرج منها، فقلت: أمن جزع يا أمير المؤمنين، فقال: من جزع، قلت: وماذا،
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٥٥).
[ ٢١٣ ]
فقال: اقترب فاقتربت، فقال: لا أجد لهذا الأمر أحدا، فقلت: وأين أنت عن فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان، فسمى - ابن عباس - له الستة أهل الشورى، فأجابه في كل واحد منهم يقول، ثم قال: إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا قوي في غير عنف، لين في غير ضعف، جواد من غير سرف، ممسك في غير بخل. عزاه صاحب الكنز (رقم: ١٤٢٥٥) إلى ابن سعد، وفيه نظر من حيث الصحة أما من حيث المعنى فتقدم ما يدل على جواز مثل هذا، بل في هذا الحالة يجب نصحًا للمسلمين والله المستعان.
[ ٢١٤ ]
فَصْلٌ
فَصَارَتِ الغِيْبَةُ: مَا يُذْكَرُ مِنَ النَّقْصِ وَالعَيْبِ؛ لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا الإِزْرَاءَ عَلَى المَذْكُوْرِ، وَالطَّعْنَ فِيْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ ضَبْطُ الأَلْسِنَةِ وَحِفْظُهَا، وَالإِقْلَالُ مِنَ الكَلَامِ إِلَّا فِيْمَا يَعْنِي، وَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ إِجْرَاءُ الأَلْسِنَةِ بِمَا فِيْهِ النَّفْعُ لِغَيْرِهِ، وَالانْتَفَاعُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ قِرَاءَةِ القُرْآنَ، وَتَدْرِيْسِ العِلْمِ، وَذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ.