فَصْلٌ
وَلُبْسُ الحَرِيْرِ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ التَحَلِّيْ بِالذَّهَبِ حَتَى الخَاتَمِ، وَلَو بِقَدْرِ عَيْنِ الجَرَادَةِ.
وَلَا يُكْرَهُ لُبْسُ الخَزِّ الَّذِي يَشُوْبُهُ الوَبَرُ؛ وَكَذَلِكَ القَبَاطِيُّ الَّذِيْ يَكُوْنُ القُطْنُ فِيْهِ أَكْثَرَ مِنَ القَزِّ.
وَلَا يَجُوْزُ جَعْلُ الصُّوَرِ فِي الثِيَابِ، وَلَا المَفَارِشِ وَالسُّتُوْرِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَى صُوْرَةِ حَيَوَانٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ صُوْرَة».
وَالاخْتِيَارُ: التَخَتُّمُ فِي اليَسَارِ، وَإِنْ تَخَتَّمَ فِي اليَمِيْنِ فَلَا بَأْس.
وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءً وَبَطَرًا.
وَدُخُوْلُ الحَمَّامِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ بِالمَيَازِرِ السَّاتِرَةِ، وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ وَحَاجَةٍ.
وَلَا بَأْسَ بِالخِضَابِ بِالحِنَّاءِ، وَهُوَ يُسْتَحَبُّ، وَكَذَلِكَ الكَتَمُ، وَيُكْرَهُ بِالسَّوَادِ.
وَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ.
[ ٢٢٦ ]
وَلَا يَجْتَمِعُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ عَرْيَانَيْنِ، فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وَلَا إِزَارٍ وَاحِدٍ.
وَلَا يَجُوْزُ تَعَمُّدُ حُضُوْرِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَلَا شَيءٌ مِنَ المَلَاهِي المُطْرِبَةِ، كَالطَّبْلِ وَالزَّمْرِ، وَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ الدُّفُ لِلنِّكَاحِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوْا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ».
وَلَا بَأْسَ بِالرُّقْيَةِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ التَعْوِيْذُ بِهِ.
قوله: (ولبس الحرير محرم على الرجال مباح للنساء )
اتفق العلماء - ﵏ - على تحريم أن يلبس الرجل الحرير، وأن يجلس عليه، وأن يلتحف به، أو أن يقعد عليه في حال الاختيار والسعة، والأدلة في ذلك كثيرة:
منها حديث البراء - ﵁ - المتفق عليه، قال: أمرنا النبي - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع: ومنها-: خاتم الذهب ولبس الحرير. (١) وكذلك ما أخرجه
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ١١٨٢ و٤٨٨٠ و٥٣٢٦) ومسلم (رقم: ٢٠٦٦).
[ ٢٢٧ ]
البخاري عن حذيفة - ﵁ -، قال: نهانا النبي - ﷺ - أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه» (١)
والديباج، هو: ضرب من الثياب الجميلة، ولحمته من الحرير فهو فارسي معرب.
وكذلك في حديث عمر المتفق عليه: أن النبي - ﷺ -، قال: «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٢)
وكذلك حديث أنس (٣) المتفق عليه، وكذلك حديث عمر:
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥١١٠ و٥٣١٢ و٥٤٩٩) وفي لفظ: قال: عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنهم كانوا عند حذيفة فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين؛ كأنه يقول: لم أفعل هذا ولكني سمعت النبي - ﷺ -، يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» وفي لفظ: كان حذيفة بالمداين فاستسقى، فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به، فقال: إني لم أرمه؛ إلا أني نهيته فلم ينته، وإن النبي - ﷺ - نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: «هن لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة».
(٢) أخرجه البخاري (رقم: ٥٤٩٦) ومسلم (رقم: ٢٠٦٩).
(٣) أخرجه البخاري (رقم: ٥٤٩٤) ومسلم (رقم: ٢٠٧٣).
[ ٢٢٨ ]
«إنما يلبس هذه في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» (١) والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما التحلي بالذهب: ففي الباب حديث علي: أخذ النبي - ﷺ - ذهبًا بيمينه وحريرًا بشماله، فقال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي حِل لإناثهم» رواه الأربعة. (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٢٤٧٠ و٢٤٧٦) ومسلم (رقم: ٢٠٦٨) ولفظه: عن ابن عمر - ﵁ -، قال: رأى عمر عطاردًا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء، وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم، فقال عمر: يا رسول الله إني رأيت عطاردًا يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، وأظنه، قال: ولبستها يوم الجمعة، فقال له رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله - ﷺ - بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: «شققها خمرا بين نسائك» قال: فجاء عمر بحلته يحملها، فقال: يا رسول الله بعثت إلي بهذه، وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت، فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها» وأما أسامة فراح في حلته، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - نظرًا عرف أن رسول الله - ﷺ - قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول الله ما تنظر إلي؟ فأنت بعثت إلي بها، فقال: «إني لم أبعث إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك».
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ٧٥٠ و٩٣٥) وأبو داود (رقم: ٤٠٥٩) والنسائي (رقم: ٥١٤٤) وابن ماجه (رقم: ٣٥٩٥) وأخرجه أيضًا: ابن أبى شيبة (رقم: ٢٤٦٥٩) والبزار (رقم: ٨٨٦) وأبو يعلى (رقم: ٢٧٢) وابن حبان (رقم: ٥٤٣٤) والبيهقي (رقم: ٤٠١٩).
[ ٢٢٩ ]
وله شاهد من حديث أبي موسى (١)، وفي أسانيدها نظر، فحديث أبي موسى فيه اضطراب، والأشبه أن فيه انقطاعًا.
والعلماء متفقون على تحريم الحرير على الرجال، وأن هذه الحرمة لبسًا وافتراشًا وتلحفًا في حال السعة والاختيار.
أما في حال الحرج؛ كأن لا يجد ما يستر عورته إلا ثوب حرير فيجب أن يستر عورته به، وكذلك إذا كان به حكة ومشقة في لبس غيره، فلا بأس، وقد رخص النبي - ﷺ - للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير، لحكة كانت بهما.
وأما لباس الذهب؛ كخاتم الذهب على الرجال، ففيه خلاف قديم، وجمهور أهل العلم على تحريم لبس الخاتم من الذهب على الرجال، وقد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٤٦٤٥) وأحمد (رقم: ١٩٥٣٣) والنسائي (رقم: ٥١٤٨) وابن حبان (رقم: ٥٤٣٤) وقال: قال أبو حاتم: خبر سعيد بن أبي هند عن أبي موسى في هذا الباب معلول لا يصح. والبيهقي (رقم: ٤٠٢٠) قال الدارقطني في " العلل (رقم: ١٣٢٠) ": وقد رواه أسامة بن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي موسى، ورواه عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل، عن أبي موسى، قال: وهذا أشبه بالصواب؛ لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا ورواه سويد بن عبد العزيز، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي موسى، ووهم في موضعين، في قوله: سعيد المقبري، وإنما هو سعيد بن أبي هند، وفي تركه نافعًا من الإسناد.
[ ٢٣٠ ]
نُقلت الإباحة عن بعض الصحابة؛ ولكن الصحيح أنه محرم، وفي الباب حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم: أن النبي - ﷺ - رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب، قال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» ثم أخذه ورمى به. فقيل للرجل خذه، قال: والله لا أرفعه وقد طرحه النبي - ﷺ -. (١)
والحكمة في تحريم الذهب والحرير على الرجال ظاهرة، ففيه سرف وتشبه بالنساء، وفيه كذلك التخنث والنعومة والليونة المنافية لشهامة الرجل وخشونته، وقد تكلم ابن القيم كلامًا حسنًا في مسألة تحريم الحرير على الرجال في الزاد. (٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٢٠٩٠).
(٢) قال ابن القيم: في "الصحيحين" من حديث قَتادةَ، عن أنس بن مالك قال: رخَّص رسولُ اللهِ - ﷺ - لعبد الرَّحمن بن عَوْفٍ، والزُّبَيْر بن العوَّام - رضي الله تعالى عنهما - في لُبْسِ الحريرِ لِحكَّةٍ كانت بهما. وفى رواية: أنَّ عبدَ الرَّحمن بن عَوْف، والزُّبَير بن العوَّام - رضى الله تعالى عنهما - شكَوْا القَمْلَ إلى النبي - ﷺ -، في غَزاةٍ لهما، فَرَخَّص لهما في قُمُصِ الحرير، ورأيتُه عليهما. هذا الحديثُ يتعلق به أمران؛ أحدُهما: فِقْهي، والآخر: طِبي. فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سُنَّته - ﷺ - إباحةُ الحرير للنساء مطلقًا، وتحريمه على الرجال إلا لحاجةٍ ومصلحةٍ راجحةٍ، فالحاجة إمَّا من شِدَّة البرد، ولا يَجِدُ غيرَه، أو لا يجدُ سُترةً سواه. ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحِكةِ، وكثرة القَمْل كما دلّ عليه حديث أنس هذا الصحيح. والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمدَ، وأصحُ قولي الشافعي، إذ الأصلُ عدمُ التخصيص، والرخصةُ إذا ثبتت في حقِّ بعض الأُمة لمعنى تعدَّتْ إلى كُلِّ مَن وُجِدَ فيه ذلك المعنى، إذ الحكمُ يَعُم بعُمُوم سببه. ومَن منع منه، قال: أحاديثُ التَّحريم عامةٌ، وأحاديثُ الرُّخصةِ يُحتمل اختصاصُها بعبد الرَّحمن بن عَوف والزُّبَيْر، ويُحتمل تَعديها إلى غيرهما. وإذا احتُمِلَ الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدرى أبَلغتِ الرُّخصةُ مَنْ بعدهما، أم لا؟ والصحيح: عمومُ الرُّخصة، فإنه عُرْف خطاب الشرع في ذلك ما لم يُصرِّحْ بالتخصيص، وعدم إلحاق غير مَن رخَّص له أوَّلا به، كقوله لأبى بُرْدة في تضحيته بالجذعة من المَعْز: «تجزيكَ ولن تَجْزىَ عن أحدٍ بَعْدَك» وكقوله تعالى لنبيه - ﷺ - في نكاح مَن وهبتْ نفسَها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأحزاب: ٥٠ وتحريمُ الحرير: إنما كان سدًا للذرِيعة، ولهذا أُبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحةِ الراجحة، وهذه قاعدةُ ما حُرِّم لسد الذرائع، فإنه يُباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حَرُمَ النظر سدًا لذريعة الفعل، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجةُ والمصلحةُ الراجحة، وكما حَرُمَ التنفلُ بالصلاة في أوقات النهى سدًا لذريعة المشابهة الصوريةِ بعُبَّاد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حَرُمَ رِبا الفضلِ سدًا لذريعةِ رِبا النَّسيئة، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العَرَايا، وقد أشبَعْنا الكلام فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ من لباس الحرير في كتاب: "التَّحْبِير لِمَا يَحلُّ وَيَحْرُمُ من لِباس الحَريرِ".
[ ٢٣١ ]
وقد قال الله - ﷿: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ (١) حيث عاب الله على المشركين أن جعلوا له البنات اللاتي هذه صفتهن قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير وقرأ هذه الآية.
قوله: (حتى الخاتم ولو بقدر عين الجرادة)
وهذا إشارة إلى رواية جاءت في الباب، والخلاصة أن الخاتم من الذهب لا يحل للرجال، ويجوز من لباس الحرير على الرجال ما كان فيه أربعة أصابع في أربعة أصابع فما دون فقد رخص النبي - ﷺ - أن يكون في ثوب الحرير الأصبع والأصبعين والثلاثة والأربعة، يعني مجموع ما يكون في الثوب من الحرير أربعة أصابع في أربعة، يعني لو جمع لكان مجموعها أربعة في أربعة فهذا يجوز.
والمراد بالحرير هنا: الحرير الطبيعي الذي تنتجه الدودة المعروفة، دودة القز.
وأما الحرير الصناعي: ما يسمى بالسلك، فهذه مباحة لا كراهة فيها، على القول الراجح.
_________________
(١) الزخرف: ١٨.
[ ٢٣٣ ]
قوله: (ولا يكره لبس الخز الذي يشوبه الوبر وكذلك العتّابي الذي يكون القطن فيه أكثر من القز).
السلف بينهم خلاف في لبس الخز، وأبو داود بعدما أخرج حديث: «يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» قال: وقد لبس الخز أكثر من عشرين نفسًا من أصحاب النبي - ﷺ -. (١)
والظاهر أن الخز حرير يشوبه شيء من الوبر، ففيه حرير مخلوط، والمعروف في النهي: «يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير» وجاءت في لفظ عند أبي داود: «الخز والحرير»
وفي هذا اللفظ نكارة، والصحيح المحفوظ: «الحر» أي: الفرج، ومما يدل على نكارته أيضًا أنه أردفه على الحرير، فيكون عطف شيء على شيء من جنسه، بل دونه، فإذا نهي عن الخز لأجل بعض الحرير فالنهي عما هو أكثر من باب اولى!، فالمحفوظ في رواية البخاري: «الحر والحرير والخمر والمعازف» فتكون أربعة أجناس.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٠٤١) وأخرجه البخاري معلقًا عن هشام بن عمام بصيغة الجزم (رقم: ٥٢٦٨) وابن حبان (رقم: ٦٧٥٤) والطبراني (رقم: ٣٤١٧) وابن حبان (رقم: ٦٧٥٤) والبيهقي (رقم: ٥٨٩٥).
[ ٢٣٤ ]
قوله: (ولا يجوز جعل الصور في الثياب ولا في المفارش والستور وهو ما كان على صورة الحيوان لأن النبي - ﷺ - قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» (١)
المراد بالصورة هنا صورة الوجوه، والصورة إذا أطلقت في اللفظ فالمراد بها صورة الوجه.
وفي صحيح مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم» أي: وجوهكم، وفي قصة الرجل الذي لطم جاريه، قال: أما علمت أن الصورة محترمة. (٢) أي: ضرب الوجه.
ومنه قول العلماء الذين يتكلمون في الأخلاق والسلوك ويذكرون ما يسمى بعشق الصور، والمراد به عشق صور الوجوه، وفي الجنة أن الإنسان ما يشتهي صورة إلا دخل فيها، أي: وجهًا، فالصورة هي الوجه، وصح عن ابن عباس عند البيهقي، أنه قال: الصورة الرأس. (٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ١٦٣٨٩) والبخاري (رقم: ٣٠٥٤ و٥٦١٣) ومسلم (رقم: ٢١٠٦) وأبو داود (رقم: ٢٢٧ و٤١٥٤) والنسائي (رقم: ٥٣٥٠) وابن حبان (رقم: ٥٨٥٠) والبيهقي (رقم: ١٤٣٦٠).
(٢) أخرجه البخاري (رقم: ١٦٥٨).
(٣) أخرجه البيهقي (رقم: ١٤٩٧٤) عن ابن عباس - ﵄ - قال: الصورة الرأس فإذا قطع الرأس فليس بصورة.
[ ٢٣٥ ]
والمراد به الوجه والرأس جميعًا، ومما يدل على أن الصورة هي الوجه ما أخرجه النسائي بسند قوي من حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة جبرائيل حينما أمر النبي - ﷺ - بالتمثال بأن يقطع ويجعل كهيئة الشجرة. (١) فإذا زال الوجه والرأس زال الحكم.
وقوله: (لا يجوز جعل الصور في الثياب)
أي: الملبوسة، ولا المفارش الموطوءة، ولا الستور المعلقة، وهو ما كان على صورة حيوان.
واحتج بما ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي - ﷺ -، قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» وهذا يشمل الصورة المنحوتة، والصورة المعلقة.
_________________
(١) الحديث أخرجه أخرجه أحمد (رقم: ٨٠٣٢)، وأبو داود (رقم: ٤١٦٠) والترمذي (رقم: ٢٨٠٦) وقال: حسن صحيح، والنسائي (رقم: ٥٣٦٥) والبيهقي (رقم: ١٤٣٥٣) ولفظه: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال: رسول الله - ﷺ -: «أتاني جبريل ﵇، فقال: لي أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان فى البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن ومر بالكلب فليخرج». ففعل رسول الله - ﷺ - وإذا الكلب لحسن أو حسين كان تحت نضد لهم فأمر به فأخرج. قال أبو داود والنضد شيء توضع عليه الثياب شبه السرير.
[ ٢٣٦ ]
واتفق العلماء على تحريم الصور المنحوتة، وهو أصل شرك العالم، وشرك قوم نوح، وأجمعوا أيضًا على تحريم الصورة المرقومة، وهي المرسومة باليد؛ إلا ما روي عن القاسم بن محمد.
واختلف المعاصرون في صور الآلات الحديثة.
فالصور إما أن تكون معظمة: -سواءً كانت منحوتة أو مرقومة أو غيرهما - فهي محرمة.
ومن صور التعظيم: التعليق أو وضع المنحوت في الرفوف والدواليب، فهذا لا شك في تحريمه.
وأما غير المعظمة التي لا تكون معلقة، لا في ثياب ولا على ستور ولا على جدر، ولا تكون ممتهنة تداس بالأقدام، ففيها خلاف بين أهل العلم، حتى بين المعاصرين، والصحيح أنها محرمة لعموم الحديث: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة»
أو ممتهنة: الصور الممتهنة التي تداس، وهذه من أهل العلم من حرمها، وقال: هذه داخلة في عموم الصور.
والصحيح أن هذا مما جاء استثناؤه، وقد أمر النبي - ﷺ - عائشة بشق الوساد الذي فيه التصاوير، قالت: فجعلنا منه وسادتين توطآن. (١)
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٨٠٣٢).
[ ٢٣٧ ]
فيدل على أنه إذا امتهنت زال حكمها؛ لأنه يخشى من أن تكون وسيلة للغلو فيها وتعظيمها لا سيما صور المعظمين من الملوك والعلماء وهذا ما حصل في قوم نوح حتى أفضى إلى عبادتهم من دون الله ولا تقل هذا بعيد فشواهد العصر كالشمس من عبادة الأبقار والأصنام .. وهذا الخليل الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (١) فمن يأمن على نفسه بعده؟!.
وعليه فتكون الصور الآن الموجودة في الألبومات وما يحتفظ به لأجل الذكرى محرمة على القول الراجح.
أما الصور التي للضرورة، كصور بطاقة الأحوال، وجواز السفر، فهذه للضرورة، وتكون بقدر الحاجة أيضًا، والصحيح أنه يدخل فيها الصور التي للحاجة، كالصور التي تفرض على العاملين في بعض المنشآت، فإن هذه قد تكون حاجة وليست ضرورة، لكن الصحيح جوازها أيضًا.
ولكن ينبغي عدم إظهارها في الصلاة، وعدم وضعها على النحر مكشوفة، إلا عند الرؤية والمعاينة للتأكد من الشخصية.
_________________
(١) إبراهيم: ٣٥.
[ ٢٣٨ ]
قوله: (والاختيار التختم باليسار، وإن تختم باليمين فلا بأس)
يظهر من خطابه مسألة تختم الرجال بالفضة، والسياق ليس بظاهر.
ولكن لمّا ذكر أنه يحرم تختم الرجال بالذهب؛ كأن فيه إلماحًا إلى هذا.
وقد اتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا من فضة، واختلف العلماء - ﵏ - في التختم بالفضة، فأصل المسألة: أنه يجوز للرجال التختم بالفضة بالاتفاق، وإن كان فيه نزاع يسير لبعض أهل الشام يأتي تحريره واختلفوا هل هو سنة أم لا، على أقوال:
القول الأول: أنه مباح للرجال، وهذا مذهب كثير من أهل العلم، وهو مشهور قول الأحناف، وبعض أصحاب أحمد ومالك.
القول الثاني: أنه مستحب، وهذا مذهب بعض السلف، وهو منصوص مالك، ووجه عند الحنابلة.
القول الثالث: أنه مكروه إلا لذي السلطان، وهذا ما ذهب إليه بعض الحنفية، وبعض الشافعية، ووجه عند الحنابلة.
القول الرابع: أن التختم للرجل مكروه مطلقًا، وحكاه ابن عبد البر عن طائفة من العلماء.
[ ٢٣٩ ]
من أدلة القول الأول: أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب، ثم رمى به وألقاه، ثم اتخذ خاتمًا من وَرِق، وحديث ابن عمر في الصحيحين، وكذلك لبس أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم وقع من عثمان في بئر أريس. (١)
ولبس جماعة من الصحابة كطلحة وسعد وابن عمرو والبراء والمغيرة - ﵃ - وحكي الإجماع على جوازه.
ومن قال بالاستحباب قال أن لبس النبي - ﷺ - يدل على استحبابه، وكذلك لبس الخلفاء له من بعده، وكذلك أن النبي - ﷺ - كان يلبسه مطلقًا، ولم يكن يلبسه عند الختم فقط، وتأسى به عامة الصحابة فلبسوه ..
ودليل من قال أنه مكروه؛ إلا لذي سلطان حديث أبي ريحانة: أن النبي - ﷺ - نهى عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان. رواه أبو داود والنسائي (٢)، ولكن إسناده ضعيف.
وقد سئل عنه مالك فضعفه، وقال أحمد: إن الكراهة لغير ذي سلطان إنما تروى عن أهل الشام، وإن كثيرًا من السلف تختّموا، ولم ينكروا لبس الخاتم،
وبعض أهل العلم كرهه لغير السلطان، وقال: لذي السلطان سنة أما لغير السلطان فهو مكروه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥٥٤٠).
(٢) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٠٥١) والنسائي (رقم: ٩٣١٣).
[ ٢٤٠ ]
ويرد على هؤلاء بأحاديث الإباحة المتقدمة، ويأتي أيضا أحاديث أخرى، واحتج هؤلاء أيضًا بأن النبي - ﷺ - كما جاء في حديث أنس - ﵁ - حينما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر وقيل له أنهم لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا وصاغه من فضة، ونقش عليه: "محمد رسول الله، ثم قال: «لا ينقش أحد كنقشنا» (١)
والحديث أصله متفق عليه، وقالوا أن هذا سبب اتخاذ الخاتم، وإلا فكانت العرب لا تلبسه ولم يلبسه النبي - ﷺ - إلا لهذا، فقالوا لغير ذي السلطان مكروه، وقالوا: لأنه زينة والنساء أحق بالزينة من الرجال، وقالوا أيضًا: أنه مقيد بالحاجة، والحاجة يقتصر عليها.
فالأجوبة على ما تقدم:
من قال: مكروه مطلقًا فهذا لا وجه له.
وأما من قال: أنه مباح لذي السلطان، مكروه لغيره، أنه لو كان مقيد بالحاجة لما استدام لبسه، ولبسه أصحابه، فإنهم استداموا لبسه أيضًا مطلقًا، ولم يكونوا بأهل ولايات، فحينما لبس الخاتم اتخذ الناس خواتم، ولبسوا الفضة، واشتروه بالأموال، وأنفقوها فيه، وهذا يدل على إقرار النبي - ﷺ - الصحابة على ذلك، وهذا الدليل الذي أوردناه فيه رد على من قال
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ١٤١٢٣) والبخاري (رقم: ٥٥٣٩) ومسلم (رقم: ٢٠٩٢).
[ ٢٤١ ]
بالكراهة، وعلى من قال بالإباحة، ولا شك أن كون أصحاب النبي - ﷺ - كما في الصحيحين يتخذون خاتمًا من فضة، والنبي - ﷺ - يراهم، يدل على أن أقل أحواله أنه مشروع، والصحابة كانوا يتأسون بالنبي - ﷺ - التأسي المطلق.
فإن قيل: قد روى النسائي من حديث ابن عمر وفيه: «اتخذ خاتم من فضة فكان يختم به ولا يلبسه» (١)
وهذا احتج به من قال أنه مكروه إلا للسلطان، وقالوا: النبي - ﷺ - يلبسه عند الختم، فنقول أن لفظة «ولا يلبسه» في هذا الحديث شاذة.
قوله: (والاختيار التختم باليسار،وإن تختم في اليمين فلا بأس)
_________________
(١) أخرجه النسائي (رقم: ٥٢١٨) أخرجه أحمد (رقم: ٥٣٦٦) وابن حبان (رقم: ٥٥٠٠) قال السندي: قوله: «ولا يلبسه» قد جاء أيضا أنه كان يلبسه فلعل النفي محمول على الغالب أو على القصد أي كان لا يقصد اللبس وإنما كان يقصد الختم وإن كان أحيانا يلبسه أيضًا. والله أعلم. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٥): فإنه حديث غريب جدًا، وفي السنن من حديث ابن جريج عن الزهري عن أنس، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، قلت: وهو معلول أيضًا.
[ ٢٤٢ ]
والمشهور عن الإمام أحمد - ﵀ - وهذا على أحد الأقوال فإنه قال: وأحاديث التختم باليسار أحب لي وهي أقوى وأثبت، وفي المسألة أقوال:
القول الأول: أنه مباح في اليمين والشمال، قالوا: والذي ثبت عن النبي - ﷺ - التختم، وفي الخنصر.
وأما في اليمين أو الشمال فلا يصح شيء، والأحاديث في ذلك متدافعة ومضطربة.
والقول الثاني: أنه باليمين أفضل وهذا مذهب البخاري، وقد أخرج فيه حديث أنس المتفق عليه: أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا وكان في يمينه. (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥٥٣٠) ومسلم (رقم: ٢٠٩٤) وأخرجه وأبو داود (رقم: ٤٢١٦) وابن ماجه (رقم: ٣٦٤١) والترمذي (١٧٣٩) والنسائي (رقم: ٩٤٤٧) عن ابن شهاب، عن أنس. وأخرجه البخاري (رقم: ٥٥٣١ و٥٥٣٢) عن حميد عن أنس. أخرجه أحمد (رقم:١٣٢١٥) ومسلم (رقم:٥٥٣٧) وأبو داود (رقم:٤٢١٦) وابن ماجه (رقم: ٣٦٤١) والترمذي (رقم: ١٧٣٩) والنسائي (رقم: ٩٤٤٨) عن الزهري، عن أنس. وأخرجه البخاري (رقم: ٥٥٣٤ و٥٥٣٧) والنسائي (رقم: ٩٤٥٣) وأبو يعلى (رقم: ٣١١٩) عن قتادة، عن أنس.
[ ٢٤٣ ]
وفيه كذلك حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه البخاري (١) - ﵀.
وأيضًا فإنه زينة واليمين أحق بالزينة، وأيضًا فإنه قد ينقش فيه ذكرًا فيصان ويكون باليمنى حتى لا يمتهن، واتفقوا على أن مكانه الخنصر، وهو أصغر الأصابع، فإن قيل قد روى مسلم عن أنس: كان خاتم النبي - ﷺ - في هذه وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى. (٢)
فنقول الأحاديث في يمينه أصح، وعلى كل حال فالترجيح في كونه في يمينه ليس بذلك الوضوح، فإن الأحاديث كما قال غير واحد من الحفاظ: القدر الصحيح فيها التختم، ومنهم من صحح الأيسر، ومنهم من صحح الأيمن، فالذي يظهر لي أنه يكون في اليمين أكثر، وإن تختم باليسار أحيانًا فلا بأس، فيكون فيه جمع بين القولين، وظاهر كلام المؤلف خلاف
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٢٣١) والترمذي (رقم: ١٧٤٢) قال أبو عيسى: قال: محمد بن إسماعيل حديث محمد بن إسحاق عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (رقم: ٢٠٩٥) قال ابن أبي حاتم في العلل (رقم: ١٤٥١): قال أبي: أما قوله اتخذ خاتما من فضة، ونقش عليه، فهو صحيح عن النبي - ﷺ - وأما قوله فكان يلبسه في شماله، فلا أعلم أحدًا رواه إلا ما رواه عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - وروى بعضهم عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي - ﷺ - والحفاظ ترويه عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، لا يقولون إنه لبس في يساره.
[ ٢٤٤ ]
ما اخترنا بقوله: (والاختيار التختم باليسار ومن تختم باليمين فلا بأس).
قوله: (ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاءً وبطرًا)
هذا الحكم مما يختص به الرجال.
والإسبال هو إرخاء الرجل لباسه تحت الكعب، فقولنا: "لباسه" يشمل السراويل والأزر والثياب والعمائم والمشالح وغيرها، ودونكم مما يتعلق في الباب من مسائل:
أولًا: اتفق العلماء على تحريم الإسبال، إذا كان للخيلاء وللعجب وللكبر، بل عدّوه من كبائر الذنوب، فهذه المسألة لا خلاف فيها، وحججهم ظاهرة: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» أخرجه البخاري من حديث ابن عمر. (١)
_________________
(١) أخرجه مالك (رقم: ١٦٣٠) وأحمد (رقم: ٤٨٨٤) والبخاري (رقم: ٣٤٦٥ و٥٤٤٦) ومسلم (رقم: ٢٠٨٥) وأبو داود (٤/ ٥٦، رقم ٤٠٨٥) والترمذي (رقم: ١٧٣٠) والنسائي (رقم: ٥٣٢٨) وابن ماجه (رقم: ٣٥٦٩).
[ ٢٤٥ ]
وفي لفظ: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، قال: إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء. (١)
ثانيًا: من أقسام الإسبال: إذا أرخى إزاره بغير خيلاء تحت الكعب، فهنا انقسم العلماء ﵏ في هذه المسألة على قسمين:
القسم الأول: أنه محرم، ولهم أدلة:
الدليل الأول: أن مجرد جر الثوب معدود من الخيلاء، لقول النبي - ﷺ -: «إياك والإسبال فإنه من المخيلة» (٢) رواه أبو داود والترمذي من حديث جابر بن سليم، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. (٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٥٣٥١) النسائي (رقم: ٥٣٣٥) وابن حبان (رقم: ٥٤٤٤).
(٢) أخرجه الطيالسي (رقم: ١٢٠٨) وأحمد (رقم: ٢٠٦٥١) وأبو داود (رقم: ٤٠٨٤) والنسائي (رقم: ٩٦٩١) وابن حبان (رقم: ٥٢٢) والبخاري في الأدب المفرد (رقم: ١١٨٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٥٣٧٤) وأحمد (رقم:٦٦٩٥) والنسائي (رقم:٢٥٥٩).
[ ٢٤٦ ]
واحتجوا كذلك بما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ -، قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» (١) وليس فيه تعرض للخيلاء.
واحتجوا بحديث أبي سعيد: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق، لا جناح فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل الكعبين فهو في النار» (٢) أخرجه أهل السنن وأحمد وإسناده صحيح، واحتج بعضهم بحديث أبي ذر - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم » (٣) وذكر المسبل، ولكن الصحيح أن هذا الحديث المطلق، محمول على حديث ابن عمر في معناه؛ لأنه له عقوبة خاصة، فوجب
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٥٤٥٠).
(٢) أخرجه مالك (رقم: ١٦٣١) والطيالسي (رقم: ٢٢٢٨) وأحمد (رقم: ١١٩٤٤) وأبو داود (رقم: ٤٠٩٣) والنسائي (رقم: ٩٧١٤) وابن ماجه (رقم: ٣٥٧٣) وابن حبان (رقم: ٥٤٤٦).
(٣) أخرجه مسلم (رقم: ١٠٦) أبو داود (رقم: ٤٠٨٩) والنسائي (رقم: ٢٥٦٣) وابن ماجه (رقم: ٢٢٠٨) ولفظه: عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ -، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» قال: فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
[ ٢٤٧ ]
حمل المطلق على المقيد؛ لأنه إذا اتحد الحكم والسبب وجب حمل المطلق على المقيد.
وقول النبي - ﷺ - من حديث أبي ذر: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة »
فالحكم: لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، والسبب: الإسبال.
فوجب حمله على حديث ابن عمر: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١) فيكون هذا من حجج الأولين.
ومن أدلة القائلين أنه محرم مطلقًا قول عمر - ﵁ -: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك. (٢) ولم يستفصل، وكان في كرب الموت، فدل على أن إسبال الإزار ليس من التقوى في شيء، وإذا لم يكن من التقوى كان من الإثم.
وعلى هذا يكون جر الإزار ينقسم إلى قسمين:
الأول: إن كان خيلاء فهو من الكبائر المغلظة، المستحق عليه بالوعيد الخاص مع النار.
الثاني: وإن كان بغير خيلاء فإنه كبيرة؛ لأنه متوعد عليه بالنار.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣٤٩٧) وابن أبي شيبة (رقم: ٢٥٣١٢).
[ ٢٤٨ ]
وقد مر معنا أن التوعد على الذنب بالنار يكون من الكبائر، ففيه الدلالة على أن الكبائر تتفاوت.
والقول الثاني: أنه مكروه وليس بمحرم، وحملوا الأدلة المطلقة التي فيها التحريم على أحاديث الخيلاء، وهذا لا يتأتّى؛ لأنه إنما يصح حمل المطلق على المقيد في صورتين:
الصورة الأولى: أن يتحد الحكم والسبب.
والصورة الثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب.
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الحكم: دخول النار، والسبب: الإسبال، فلا يمكن حمله على حديث ابن عمر وغيره؛ لأن الحكم هنا دخول النار، والحكم هناك لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.
وإذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند جمهور الأصوليين.
واحتجوا أيضًا بحديث ابن عمر: «إنك لست ممن يفعله خيلاء» (١)
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢٤٩ ]