فَصْلٌ
وَمِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ التَّغَافُلُ عَنْ ظُهُوْرِ مَسَاوِئ النَّاسِ، وَمَا يَبْدُو فِيْ غَفَلَاتِهِمْ، مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ، أَوْ خُرُوْجِ رِيْحٍ لَهَا صَوْتٌ، أَوْ رِيْحٍ.
وَمَن سَمِعَ ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الطَّرَشَ أَوِ النَّوْمَ أَوِ الغَفْلَةَ لِيُزِيْلَ خَجَلَ الفَاعِلِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.
وهذا الفصل يعالج الأخطاء التي تقع في المجلس من غير قصد، فمعلوم أن اجتماع الناس في المجالس على اختلاف أنواع الاجتماعات، في علم أو في حديث أو سمر أو مؤانسة أو ما أشبه ذلك، قد يقع فيه من العوارض التي قد يستحيا منها، فمن ذلك ما قال المؤلف: (من مكارم الأخلاق التغافل عن ظهور مساوئ الناس وما يبدو في غفلاتهم من كشف عورةٍ أو خروج ريحٍ لها صوت). قال: (من سمع ذلك فأظهر الطرش)
والطرش: هو ثقل السمع لا انعدامه، ولما فاضل ابن القيم بين البصر والسمع، قال: والسمع أفضل من البصر، ولهذا كان في الصحابة من هو أعمى، ولم يكن فيهم من هو أطرش، قاله في مفتاح دار السعادة. (١)
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٦٥).
[ ٦٦ ]
وقالوا: وإن كان إدراك البصر أتم، لكن إدراك السمع أكمل وأشرف، فبه يعرف كلام الله ﷿، وكلام رسول الله - ﷺ -، ومكارم الأخلاق، وقال ابن القيم أيضًا: وترى الشخص الذي لا يسمع وهو يبصر في وادٍ، والناس في وادٍ آخر.
والأصل فيما ذكر المؤلف: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زمعة - وعبد الله بن زمعة صحابي مقل له أحاديث قليلة جدًا -: أن الرسول - ﷺ - وعظ الصحابة بعدما اجتمع معهم في يوم من الأيام، وقال: «علام يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم لعله يضاجعها آخر اليوم» ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة، وقال: «لم يضحك أحدكم مما يفعل» (١)؟
وقيل أنهم كانوا في الجاهلية إذا أحدث أحدهم بصوت في المجلس، يضحك بعضهم على بعض، فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك، فصار في الضحك من الضرطة مشابهةً لكفرة الجاهلية الأولى، وأما الكفرة المعاصرون فأظنهم لا يبالون بهذا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٤٦٥٨) ومسلم (رقم: ٢٨٥٥).
[ ٦٧ ]
فإذا حصل للإنسان في المجلس مثل هذا، أو انكشاف عورة، أو شرق في مشروب، أو غصّ بمطعوم، أو خرج من أنفه شيء، أو سكب طعامًا، أو عثر فسقط، أو سقط منه شيء، أو ظهر منه ما يكره، فإنه ينبغي التغافل عن ذلك، وعدم الضحك، والاشتغال بأمر آخر حتى يكون فيه إذهاب الخجل واللوم عن هذا الشخص، وهذا من مكارم الأخلاق، ومن صفات كبار النفوس، وقد سمعت شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول: إذا حصل هذا في المجلس (الضرطة)، فينبغي عدم المبالاة بهذا الشيء، وإظهار التغافل، حتى لا يحرج صاحب الشأن. ا. هـ
واللجاجة والتنقيب في هذا من العسر والنكد في الأخلاق.
ومن اللطائف في هذا ما وقع في ترجمة هشام بن عمّار كما في سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٢٧) قال خيثمة: سمعت محمد بن عوف يقول: أتينا هشام بن عمّار في مزرعة له، وهو قاعد على مورج له، وقد انكشفت سوأته، فقلنا يا شيخ غَطِّ عليك، فقال: رأيتموه؟! لن ترمد أعينكم أبدًا، يعني: يمزح.
[ ٦٨ ]