فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُوْنَ ثَالِثٍ، لِأَنَّهُ يُوْجِبُ إِيْحَاشًا، وَكَسْرَ القَلْبِ.
قوله: (فصل: ويحرم أن يتناجى القلب)
هذا من أدب التناجي والتخاطب بين الناس، وأصل هذه المسألة ما أخرجه صاحبا الصحيح، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كانوا ثلاثةً، فلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الثالثِ» (١)
وفي حديث منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود - ﵁ - عند مسلم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى رجلان دون الآخر، حتى تختلطوا من أجل أن ذلك يحزنه» (٢)
وفي سنن أبي داود، من حديث أبي صالح، عن ابن عمر - ﵁ - قال: فإن كانوا أربعة؟ قال: «لا يضره» (٣)
_________________
(١) أخرجه مالك (رقم: ١٧٩٠) والبخاري (رقم: ٥٩٣٠) ومسلم (رقم: ٢١٨٣).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ٤٠٣٩) والبخاري (رقم: ٥٩٣٢) وأخرجه مسلم (رقم: ٢١٨٤)، والترمذي (رقم: ٢٨٢٥) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (رقم: ٣٧٧٥).
(٣) أخرجه أحمد (رقم: ٥٠٢٣) وأبو داود (رقم: ٤٨٥٢).
[ ١٢٣ ]
في هذه الأحاديث من الفوائد والأحكام تعليل الحكم فإن الحكم لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه.
وتعليل الأحكام بالشريعة فيه من الفوائد:
١ - اطمئنان القلب. ٢ - وبيان سمو الشريعة.
٣ - وإمكان القياس.
ومن هذا نقول: كل شيء يُدخل الحزن على المرء المسلم فإنه لا يجوز؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن تناجي اثنان دون الثالث، وقال: «من أجل أن ذلك يحزنه» فعُلِم أن كل شيء يجلب الحزن للمسلم أنه محرم، وعلم بالمفهوم أن كل شيء يدخل السرور على المسلم أنه مشروع ومستحب.
وخلاصة الكلام على هذا الحديث، وفوائده، أنه يحرم أن يتناجى اثنان دون الثالث، وهذا صريح لفظ الحديث، ومفهوم الموافقة: لا يتناجى ثلاثة دون الرابع، ولا يتناجى الأربعة دون الخامس، بل قد يقال أنه كلما زاد العدد مع انفراد واحد زاد النهي؛ لأنه يشتد عليه الأمر، فاثنان أهون عليه من ثلاثة.
وفيه من الفوائد: أنه إذا كان المنفرد أكثر من واحد فهو جائز؛ كما لو تناجى اثنان دون اثنين، أو تناجى ثلاثة دون اثنين، أو تناجى خمسة
[ ١٢٤ ]
دون ثلاثة، والمقصود أنه إذا كان المنفرد أكثر من واحد فهو جائز، وقد سارّ النبي - ﷺ - فاطمة فضحكت، ثم سارّها مرة أخرى فبكت، وكانت عائشة حاضرة، والظاهر أنه كان في البيت غيرها، ففي الحديث عند البخاري إنّا كنا أزواج النبي - ﷺ - عنده جميعًا فأقبلت فاطمة وفيه قصة المسارة فلا تعارض حينئذٍ لوجود جمع من النساء (١) فاستدل أهل العلم بمفهوم هذا الحديث وغيره من القصص؛ أنه يجوز المسارّة بين أشخاص إذا كان المنفرد أكثر من واحد.
وخص بعضهم هذا التناجي الممنوع في السفر فقط، أما في الحضر والعمارة والبيوت فهو مباح، لزوال العلة ولكن الصحيح أنه يشتد في السفر، كأن يكون ثلاثة في سفر فيتناجى اثنان دون الثالث، لكن هذا لا يمنع أن يكون أيضا محرمًا ولو في الحضر، بل لو كانوا في مجلس واحد والناس حولهم لكن لا يشاركونهم في المجلس فلا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث.
وهناك صور يجوز فيها أن يتناجى اثنان دون الثالث، منها أنهم إذا استأذنوه فأذن لهم، لأن الحق له، فإن قال قائل: إذا تناجوا سيحزن، فنقول: يستطيع أن يمنعهم، وهو الذي سلط الحزن عليه، وكان ابن عمر
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٩٢٨).
[ ١٢٥ ]
- ﵁ -، إذا أراد أن يناجي رجلًا، وكانوا ثلاثة دعا شخصًا رابعًا، ثم قال: ابتعدا، ثم تناجى مع هذا الرجل، حتى لا يكون واقعًا في النهي، والمقصود أنه إذا أذن المنفرد جاز لأن الحق له، وهذا مراعاةً لخاطره، ومن ذلك نهى أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه لأن الحق له؛ إلا إذا أذن، وحينئذ تزول المشاحة والحزن.
ومن صور جواز أن يتناجى اثنان دون الثالث: أن يتناجى اثنان ثم يَرِد عليهما ثالث وقد شرعا في التناجي، فنقول: هم لم يتناجوا دون الثالث، بل الثالث ورد عليهما وقد شرعا في التناجي، فلا يكون هذا داخلًا في النهي فلهما الاستمرار ولهما الانقطاع، بل يُنهى هو عن الدخول والاستفسار عن حديثهم، (١) ومن صور الجواز أن يتناجى ثلاثة ثم ينفرد واحد باختياره فلهما أن يستمرا.
ومن صور جواز تناجي الاثنين دون الثالث أخذًا من مفهوم حديث: «فإن ذلك يحزنه» إذا تناجى الوالدان دون أحد الأولاد، فإن هذا لا بأس به؛ لأنهما أشفق أهل الأرض على هذا المنفرد، غير أنه قد يقال: أنه إذا
_________________
(١) جاء عند ابن أبي شيبة (رقم: ٢٦٠٧٨) وأحمد (رقم: ٦٢٢٥) عن سعيد المقبري، قال: رأيت ابن عمر - ﵁ - يناجي رجلًا، فدخل رجل بينهما، فضرب صدره، وقال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا تناجى اثنان فلا يدخل بينهما الثالث إلا بإذنهما.
[ ١٢٦ ]
قامت قرائن على أنهما يتناجيان في شيء يتعلق بتأديبه أو تقويمه أو ما أشبه ذلك فإن العلة موجودة وهي التحزين، فحينئذٍ يترك التناجي حتى يكون في غيبته أو بحضرة غيره من الأولاد.
ولهذا قال المصنف: (لأنه يوجب إيحاشًا وكسر القلب)
ومما يدخل في التناجي المنهي عنه، التخاطب بين اثنين بلسان لا يحسنه الثالث مع إمكانهما الحديث بلسان يفهمه، فالمعنى موجود وعدولهما عن اللغة التي يفهمها إلى لغة لا يفهمها هو في معنى التناجي المنهي عنه، فلا يجوز.
[ ١٢٧ ]