فَصْلٌ
ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا، فَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيْرُ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ الهَوَامِّ.
وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ، وَالاعتِكَافِ، أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَكْلِ الخَبَائِثِ مِنَ البُقُوْلِ، كَالبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، وَالكُرَّاثِ، فَقَدْ نَهَى النَبَيُّ - ﷺ - عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ مَعَهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ؛ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ.
وَإِذَا حَضَرَ وَلَيْمَةَ العُرْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الأَكْلُ، بَلْ إِنْ أَكَلَ وَإِلَّا دَعَا وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا لَعِبٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا لَهْوٌ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا مُحَرَّمٌ حَرُمَتِ الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا مَكْرُوْهٌ كُرِهَتِ الإِجَابَةُ.
وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ، وَحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ.
[ ١٦٧ ]
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عِيَادَةُ أَخِيْهِ المُسْلِمِ، وَحُضُوْرُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ، وَتَعْزِيَةُ أَهْلِهِ.
وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الذِّمِّيِّ، فَقَدْ عَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَهُوْدِيًّا، وَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ يَا يَهُوْدِي».
قوله: (فصل ويستحب غسل اليد من أجل الهوام)
فغسل اليد بعد الطعام لا شك في مشروعيته؛ كأن يكون في هذا الطعام زهومة سواء نام أو لم ينم، وعند النوم أشد، لحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «من بات وفي يده غَمَر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه» (١)
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ٧٥٥٩ و١٠٩٥٣) والترمذي (رقم: ١٨٦٠) والحاكم (رقم: ٧١٩٧) وأخرجه: ابن أبي شيبة (رقم: ٢٦٧٤٢) وأبو داود (رقم: ٣٨٥٤) والبخاري في الأدب المفرد (رقم: ١٢٢٠) وابن ماجه (رقم: ٣٢٩٧) والدارمي (رقم: ٢١١٥) وابن حبان (رقم: ٥٥٢١) والبيهقي (رقم: ١٥٠٠٢) من طريق: سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: «من نام وفي يده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه» وأخرجه: أحمد (رقم: ٨٥١٢) والنسائي (رقم: ٦٩٠٥) والبيهقي (رقم: ١٥٠٠١) من طريق: وهيب عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -. == == والحديث له طريق ثانٍ ضعيف عن ابن أبي ذئب، عن المقبري عن أبي هريرة - ﵁ -. وقد جاء الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا به، عند النسائي (رقم: ٦٩٠٧) والطبراني في الأوسط (رقم: ٥٤٤١) وفي الصغير (رقم: ٨١٦) والخطيب (٤/ ٣٣٩).
[ ١٦٨ ]
وهذا الحديث في إسناده اختلاف كثير واضطراب، وقد ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١)، والدارقطني في علله (٢)، وأعرض عنه صاحبا الصحيح، وقد أومأ أبو حاتم إلى أنه موقوف، وجاء أيضًا في معنى هذا الحديث أخبار، وهو يدل على التحذير من كون الإنسان ينام وفي يده دسومة طعام.
الغمر -ضُبط بالتسكين وبالفتح- هي زهومة اللحم. (٣)
والإنسان قد ينام ويكون في يده من بقايا الأكل، فربما أتت دابة وحسبت أن هذا طعامًا أو لحمًا فنهشته، فأصابه إما مرض، أو سمّته فمات، أو ما أشبه ذلك، وفي بعض ألفاظ الحديث: «فأصابه وَضَح» (٤)
_________________
(١) قال ابن أبي حاتم: قال أبي هذا خطأ، في أصل جرير عن أبي صالح، عن أبي هريرة، موقوف، الشيء الذي أوقفه ابن حميد فما بقي مع أن يحيى بن المغيرة أيضا أوقفه. علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم: ٢٢٠٢).
(٢) علل الدارقطني - (١٠/ ٢٠٢) دار طيبة الرياض ط١.
(٣) فيض القدير للمناوي (١/ ٢١٤) (المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط١).
(٤) أخرجه الطبراني (رقم: ٥٤٣٥) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. قال الهيثمي (٥/ ٣٠): إسناده حسن.== == وفيه: مطلب بن شعيب الأزدي أورده ابن عدي الجرجاني في الضعفاء (رقم: ١٩٤٥ - دار الفكر) وقال: له حديث منكر عن كاتب الليث فيه شئ، وسائر أحاديثه عن أبي صالح مستقيمة. وقال الحافظ في اللسان (٩/ ٥١): وقد أكثر الطبراني عن مطلب هذا وهو صدوق. وعبد الله بن صالح: أورده العجلي في الثقات (رقم: ٩٠٨ - مكتبة الدار - المدينة المنورة)، وابن حبان في الثقات (رقم: ١٣٨٣٤ - دار الفكر) وقال فيه ابن أبي حاتم: روى عنه أبي وأبو زرعة قال أبي هو صدوق. التعديل والتجريح للباجي (رقم: ٨٣٠ - دار اللواء، الرياض) وذكره العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٩٦)، وقال فيه كلامًا عن الإمام أحمد وليس في كلامه جرحًا معتبرًا. وأورده النسائي في الضعفاء والمتروكين (رقم: ٣٣٤) وقال: ليس بثقة كذلك لم يذكر فيه جرحًا جرح به، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ومعرفة الرجال (رقم: ٤٩١٩): سألت عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، فقال: كان أول أمره متماسك ثم فسد بأخرة وليس هو بشيء. قال أبو عبد الله الذهبي في الكاشف (رقم: ٢٧٨٠): عبد الله بن صالح أبو صالح الجهني مولاهم المصري كاتب الليث عن معاوية بن صالح وموسى بن علي وعنه البخاري وابن معين وبكر بن سهل: وكان صاحب حديث فيه لين. قال أبو زرعة: حسن الحديث لم يكن ممن يكذب. وقال الفضل الشعراني: ما رأيته إلا يحدث أو يسبح. وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث له أغاليط. وكذبه جزرة. وخلاصة الكلام فيه ما قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٠٥): وبكل حال، فكان صدوقا في نفسه، من أوعية العلم، أصابه داء شيخه ابن لهيعة، وتهاون بنفسه حتى ضعف حديثه، ولم يترك بحمد الله، والأحاديث التي نقموها عليه معدودة في سعة ما روى.
[ ١٦٩ ]
أي برص، وهذا الحديث يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يغسل يده من الطعام إذا كان له زهومة وأثر في اليد.
وهذا عام في وجود جزء من الزهومة على الجسم، سواء في اليد أو في الرجل، أو رائحة البدن فإنه يتأكد عند النوم تنظيف البدن.
قوله: (ويكره لمن أراد المساجد للصلاة أو الاعتكاف أن يتعرض لأكل الخبائث من البقول؛ كالبصل والثوم والكراث، فقد نهى عنه النبي - ﷺ - عن قربان المسجد معه)
هذا يتعلق بآداب الحضور إلى المساجد، وقد جاء عن النبي - ﷺ - من غير وجه من حديث جابر وحديث أنس وحديث ابن عمر، أنه قال: «من أكل ثومًا فلا يقربن المساجد» (١)
_________________
(١) حديث جابر - ﵁ -: أخرجه أحمد (رقم: ١٥٣٣٤) والبخاري (رقم: ٨١٧) ومسلم (رقم: ٥٦٤) وأبوداود (رقم:٣٨٢٢) والنسائي (رقم:٦٦٧٩) وابن خزيمة (رقم:١٦٦٤) حديث أنس: أخرجه البخاري (رقم: ٨١٨) ومسلم (رقم: ٥٦٢) وحديث ابن عمر: أخرجه أحمد (رقم: ٤٧١٥) والبخاري (رقم: ٨١٥) ومسلم (رقم: ٥٦١) وأبو داود (رقم: ٣٨٢٥) وابن ماجه (رقم: ١٠١٦) وابن حبان (رقم: ٢٠٨٨) وابن خزيمة (رقم: ١٦٦١) وجاء أيضًا عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أخرجه عبد الرزاق (رقم: ١٧٣) وأحمد (رقم: ١١٠٩٩) ومسلم (رقم: ٥٦٥) وأبو يعلى (رقم: ١١٩٥) وابن خزيمة (رقم: ١٦٦٧) وأبو عوانة (رقم: ١٢٢٩) وجاء أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ -: أخرجه مسلم (رقم: ٥٦٣) وابن ماجه (رقم: ١٠١٥) == == وجاء أيضًا عن عبد الله بن زيد - ﵁ -: أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم: ٨٥٥٠) قال الهيثمي (٢/ ١٧): رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجال الكبير رجال الصحيح. وجاء هذا الحديث أيضًا عن غيرهم.
[ ١٧١ ]
وفي سياق حديث جابر عند مسلم: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا» (١)
وسميت هذه خبائث؛ لأنها طعام دنيء، وأيضًا لرائحتها، وقد يسمى الشيء الحلال خبيثًا باعتبار دناءته أو رائحته، وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (٢)
يعني لا تيمموا الدنيء من المطعومات والمشروبات فتصدقون به، بل اعمدوا إلى الأطيب، فـ «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٣) وليس هذا الخبث مما يتعلق به التحريم كما في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤) ويؤيد هذا قوله تعالى في بني إسرائيل حينما
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٥٦٣).
(٢) البقرة: ٢٦٧.
(٣) أخرجه أحمد (رقم: ٨٣٣٠) ومسلم (رقم: ١٠١٥) والترمذي (رقم: ٢٩٨٩) والدارمي (رقم: ٢٧١٧).
(٤) الأعراف: ١٥٧.
[ ١٧٢ ]
تمنوا البصل والثوم والعدس: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (١)
فقوله تعالى: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أي: من المطاعم التي اخترتموها.
والحكمة واضحة في النهي عن دخول المساجد لمن أكل بصلًا أو ثومًا أو كراثًا، والمراد مع بقاء الرائحة، لأن هذا النهي معلل بعلتين: أذية المؤمنين، وأذية الملائكة.
وهل يلحق بهذه الثلاثة ما سواها من المأكولات ذوات الرائحة الخبيثة؟ نعم، قد جاء في حديث جابر نفسه عند الطبراني في الصغير التنصيص على الفجل، ولكن في إسناده يحيى بن راشد (٢).
وألحق أهل العلم كل ماله رائحة تؤذي المصلين، سواءً كان هذه المطعوم أو المشروب حلالًا أو حرامًا، وإن كان حرامًا فهو أشد وأخبث،
_________________
(١) البقرة: ٦١.
(٢) أخرجه الطبراني في الصغير (رقم: ٣٧) قال: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا يحيى بن راشد البراء، قال: حدثنا هشام بن حسان الفردوسي، عن أبي الزبير عن جابر - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -، قال: «من أكل من هذه الخضروات فلا يقربن مسجدنا الثوم والكراث والبصل والفجل فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» قال الهيثمي (٢/ ١٧): فيه يحيى بن راشد البراء البصري وهو ضعيف ووثقه ابن حبان وقال يخطئ ويخالف وبقية رجاله ثقات.
[ ١٧٣ ]
فألحقوا السمّاك الذي يبيع السمك أو يصطاده، فإن رائحة السمك شديدة، وقد لا تخرج من الإنسان بسهولة، وفي الأعصار المتأخرة صاحب الدخان، وهو شارب التبغ، من أجل الرائحة الخبيثة التي تفوح من فيه، مع أن الدخان محرم، وتحريمه ظاهر، ومفاسده كثيرة، وعلى هذا يحرم دخول المسجد لمن فيه رائحة منتنة من بصل، أو ثوم، أو كراث، أو دخان، أو عرق، أو بخر شديد يظهر أثناء الكلام، أو اتساخ ملابس برائحة مطعوم أو مشروب أو غير ذلك لحصول الأذية للمسلمين والملائكة.
ونستفيد من هذا الحديث وما جاء في معناه، أنه يحرم لمن أراد المساجد للصلاة أو الاعتكاف أن يتعرض لهذا الشيء.
وتعبير المؤلف بقوله: (أن يتعرض)
فيه نظر، فإن أكل الإنسان الثوم أو الكراث أو البصل أوكل ذي رائحة نتنة لا يخلو من أقسام:
القسم الأول: أن يكون لحيلة إسقاط صلاة الجماعة، فهذا لا يحضر ويأثم، أما عدم حضوره فللأحاديث الواردة في الباب، وأما كونه يأثم فلأنه احتال لإسقاط واجب.
القسم الثاني: أن يأكلها لشهوة ولم يتخذها عادة هذا جائز ولا يأثم، ولكن لا يحضر صلاة الجماعة.
[ ١٧٤ ]
ولكن هل يكتب له أجر الجماعة؟ قال بعض أهل العلم: إن كان عادته حضور الجماعة فإنه يكتب له أجر صلاة الجماعة؛ لأنه تأخر عن حضور صلاة الجماعة بسبب إعذار ومسامحة من الشارع، بل الشارع هو الذي نهاه، وقال بعضهم: الذين يأكلون الثوم والكراث ينقسمون إلى قسمين: فمنهم من يأكله لحاجة كتطبب ودواء وحاجة كأن لا يكون عنده طعام سواه فهذا يعذر، وله أجر الجماعة، لأنه مريد لها.
أما إذا أكلها شهوةً، فهو الذي أسقط الجماعة باختياره وهذا هو الصحيح، وحسبه عفو الشارع عن الجماعة أما ثبوت أجرها فلا، هذا ما ظهر لي.
وأما حد إباحة حضور المسجد لمن أكل الثوم أو البصل أو الكراث: فهو زوال الرائحة، فإذا زالت الرائحة جاز له دخول المسجد بعد ذلك، وعليه أن يتعاطى الأشياء التي تزيل الرائحة إذا قرب وقت الصلاة، وقد بوب ابن خزيمة بابًا يوهم أن حد إزالة الرائحة ثلاثة أيام، فجاء عنده: «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مساجدنا ثلاثًا» (١) وبوب عليه: (باب توقيت النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم) (٢) وفي هذا نظر لأن
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (رقم: ١٦٦٣) وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٨٢٤) وابن حبان (رقم: ١٦٣٩) والبيهقي (رقم: ٤٨٣٤) عن أبي سعيد.
(٢) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٨٢).
[ ١٧٥ ]
قوله: (ثلاثًا) راجع إلى تكرار النبي - ﷺ - القول، لا أن وجود الرائحة لا يزول إلا بعد هذه الأيام الثلاث، فالرائحة تزول قبل ذلك بكثير، ولكنه فهم - ﵀ - أنه يسمح للإنسان ثلاثة أيام في ترك الجماعة، وقد وهم في هذا.
فإذا قلنا أن العلة مركبة من أذية الملائكة، وأذية المؤمنين، فالتقسيم حينئذٍ كالتالي:
١ - أن يأكل بعض جماعة المسجد ولا يأكل البعض فحينئذ يحرم على الذين أكلوا أن يحضروا المسجد؛ لأن فيه أذيتين الأذية الأولى أذية الملائكة، وأذية الذين لم يأكلوا.
٢ - أن يأكلوا جميعًا بإمامهم فبعض أهل العلم رخص لهؤلاء أن يحضروا، فقالوا: لا أذية، فالجميع قد أكل ورضي بالرائحة لنفسه ولغيره، والصحيح أنه يحرم للعلة الأولى وهي أذية الملائكة.
٣ - أن يأكل الرجل الثوم أو الكراث ثم يدخل المسجد، سواءً كان للصلاة أو بدون صلاة، وليس في المسجد أحد، فهذا أيضًا يمنع لما فيه من أذية للملائكة.
ولو أن الناس يصلون في الخارج، وليسوا في المسجد فلا يخلو من حالين:
[ ١٧٦ ]
الحالة الأولى: إذا أكلوا جميعًا فلا بأس أن يصلوا جماعة، إذا لم يؤذِ بعضهم بعضًا لزوال العلتين.
الحالة الثانية: إذا أكل البعض وترك البعض ويحصل الأذى فحينئذ لا يصلي من أكل مع غير الآكلين لوجود إحدى العلتين وهي أذية المؤمنين.
وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد - ﵁ - لما فتحت خيبر -: أن رسول الله - ﷺ - مر على زَرّاعة بصل هو وأصحابه، فنزل ناس منهم فأكلوا منه، ولم يأكل آخرون، فرحنا إليه فدعا الذين لم يأكلوا البصل، وأخر الآخرين حتى ذهب ريحها. (١)
والمقصود أنه عزل من أكل ولم يثرّب عليهم، لأنهم إنما أكلوا لحاجة، فقد كانوا جميعًا جياعًا، وهؤلاء الذين أكلوا لم يتعرض لهم في الحديث، هل صلوا جميعًا أم لا، ولكن نقول كما تقدم: إن صلوا جميعًا فلا بأس، وإن تأذى بعضهم بأكل غيره فصلى لوحده فلا بأس.
وعلم بهذا أن داخل المسجد ولو لم يكن في وقت صلاة ينبغي أن تكون رائحته طيبة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٥٦٦).
[ ١٧٧ ]
فمن أراد أن يأكل هذه الأشياء فكما قال عمر - ﵁ -: إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين، فمن أراد أن يأكلهما فليمتهما طبخًا. (١)
فقد يشتهي بعض الناس هذا الأشياء، فنقول: بالغ في طبخها حتى تزول منها الرائحة الخبيثة، وإن كان الثوم في الغالب لو بالغ في طبخه فإنه لا تزول رائحته.
لكن ذكر ابن القيم (٢) وغيره أن مصّ ورق السَذَاب يذهب رائحة البصل والثوم، وعلى من ابتلي بهذا أن يستعمل السواك ويستخدم المنظفات والمعطرات حتى تزول هذه الرائحة.
وإذا وجدت رائحتها من رجل فإنه يشرع للإمام أو غيره أن يخرجه، وقد وقع عند مسلم من حديث عمر - ﵁ -: أنه خطب الناس فقال: أيها الناس إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين -أي أظنهما- ولقد كان الرسول - ﷺ - إذا وجد ريحها من رجل أمر به فأُخرج إلى البقيع. (٣)
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (رقم: ٥٣) وأحمد (رقم: ٨٩) ومسلم (رقم: ٥٦٧) وأبو عوانة (رقم: ١٢١٨) والنسائي (رقم: ٧٠٨) وابن ماجه (رقم: ١٠١٤) وأبو يعلى (رقم: ٢٥٦) وابن حبان (رقم: ٢٠٩١) وابن خزيمة (رقم: ١٦٦٦).
(٢) زاد المعاد لابن القيم (٤/ ٢٩٠ - مؤسسة الرسالة، ط٣).
(٣) صحيح مسلم (رقم: ٥٦٧).
[ ١٧٨ ]
وفي هذا الحديث من الدلائل أنه يخرج بعيدًا، ليس في رحبة المسجد؛ لأن العلة فيها أذية الملائكة أيضًا، فهو إذا أخرج من المكان الذي به المصلون زالت علة وهي أذية المصلين، ولكن بقيت أذية الملائكة، وهم في الرحبة وفيما يسمى مسجدًا، فإن الملائكة تكون في المساجد.
فائدة:
روى الإمام أحمد في مسنده (١٦٩٧٢): حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز بن عثمان الرّحبي قال: سمعت عبد الله بن غابر الألهاني قال: دخل المسجد حابس بني سعد الطائي في السحر وقد أدرك النبي - ﷺ - فرأى الناس يصلون في مقدم المسجد، فقال: مُراءون وربُّ الكعبة، أرعبُوهم، فمن أرعبهم، فقد أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس، فأخرجوهم، قال: فقال: إن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد» وهذا إسناد لا بأس به وقد رواه الطبراني في الكبير من طريق حريز ورواه غيره.
وهذا - أعني صلاة الملائكة في مقدم المساجد في السحر - لا أحفظه مرفوعًا في الأخبار ..، ونهي الناس عن الصلاة في مُقدمِ المسجد في وقت السحر فيه نظر، بل لا يجوز حتى يثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك خبرٌ صحيح صريح، وهذا اجتهاد صحابي.
[ ١٧٩ ]
وسألت شيخنا ابن باز - ﵀ - عن ملائكة البيوت وأن الإنسان قد يأكل ويصلي في البيت؟ فقال: ملائكة البيوت لا حيلة في ذلك، والمراد في الحديث ملائكة المسجد.
مسألة:
ذكر جماعة من أهل العلم أن أصحاب العاهات أيضًا يمنعون من دخول المسجد، إذا كانت هذه العاهة مما قد يعدي، أو مما يتقزز الناظر منها، ويحصل له أذية لأن الأذية قد تكون في هذه الصورة أشد من الرائحة، فقد تكون أذية صوت أو منظر أو ريح أو ما أشبه ذلك، فللإمام أن يمنع أصحاب العاهات المعدية من دخول المسجد، والنبي - ﷺ - قال لذاك الرجل الذي أصيب بالجذام: «ارجع فقد بايعناك» (١) فترك مبايعة النبي - ﷺ - وبايعه النبي - ﷺ - دون أن تمس يده يده، ولهذا المريض بالعنقز (جدري الماء) وما أشبهه يرخص له في ترك صلاة الجماعة.
قوله: (ويستحب الإجابة إلى وليمة العرس، وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان؛ فإنها محدثة)
قرر المؤلف أن إجابة وليمة العرس مستحبة، وفي هذا نظر، فقد صح عن النبي - ﷺ - من غير وجه من حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما:
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٢٢٣١) والنسائي (رقم: ٤١٨٢) وابن ماجه (رقم: ٣٥٤٤).
[ ١٨٠ ]
أن النبي - ﷺ - قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (١)
وهذا صريح في الوجوب.
فقول المؤلف: (يستحب الإجابة) ليس بسديد، بل الصواب وجوب الإجابة إلى وليمة العرس.
وقد اختلف العلماء في دعوة الوليمة، هل هي عامة لكل فرح أم هي خاصة بطعام العرس؟
فجمهور اللغويين على أن الوليمة إنما يراد بها دعوة العرس (النكاح) وقال بعض الفقهاء: هي عامة لكل فرح، من عرس وبناء بيت، وشفاء مريض، وعقيقة، وما أشبه ذلك.
_________________
(١) أخرجه مالك (رقم: ١١٣٧) وأحمد (رقم: ٤٧١٢ و٤٧٣٠) والبخاري (رقم: ٤٨٧٨) ومسلم (رقم: ١٤٢٩) وأبو داود (رقم: ٣٧٣٦) والنسائي (رقم: ٦٦٠٨) وابن ماجه (رقم: ١٩١٤) من حديث ابن عمر. وأخرجه أحمد (رقم: ١٥٢٥٦)؛ ومسلم (رقم: ١٤٣٠) وأبو داود (رقم: ٣٧٤٠) والنسائي (رقم: ٦٦١٠) وابن حبان (رقم: ٥٣٠٣) من حديث جابر. وأخرجه أحمد (رقم: ٧٣٠٢) ومسلم (رقم:١١٥٠) وأبوداود (رقم:٢٤٦١) والترمذي (رقم: ٧٨١) والنسائي (رقم: ٣٢٦٩) وابن ماجه (رقم: ١٧٥٠) من حديث أبي هريرة.
[ ١٨١ ]
والصحيح أن الوليمة المراد بها دعوة النكاح والعرس، ولاشك أن الفرح بها والدعوة إليها لا يشاكل غيرها، وقد تكلم الناس في أسماء الأفراح والولائم فسموا الوليمة عند تمام البناء بالوكيرة، والنقيعة عند القدوم من السفر؛ وفي حديث جابر - ﵁ - عند البخاري: أن رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرةً. (١)
والعقيقة ذبيحة الولادة، والخَرْس هي ذبيحة الختان على خلاف في مشروعية بعضها.
وأما في إجابة الدعوة لوليمة العرس فالصحيح أنها واجبة وأما ما سواها فاختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: إذا كانت الوليمة يسمى بها كل ما يصنع لكل فرح حادث، فيجب على الإنسان أن يستجيب إلى كل دعوة، سواءً كانت الدعوة إلى وليمة عرس، أو غيرها؛ لأن هذا مما يؤلف القلوب، والصحيح كما أسلفنا أن الوجوب معلق بوليمة النكاح للفرق بينها وبين غيرها، فإن قيل قد روى مسلم من حديث ابن عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من دعي إلى وليمة فليجب،
_________________
(١) أخرجه (رقم: ٢٩٢٣).
[ ١٨٢ ]
عرسًا كان أو نحوه» (١) وهذا صريح في العموم، لكن نقول: هذا السياق غير محفوظ، والمحفوظ في الحديث: «من دعي إلى وليمة فليجب» (٢)
كما هي ألفاظ حديث ابن عمر الصحيحة، وما جاء في معناها، من حديث جابر وحديث أبي هريرة، والحديث صريح في الوليمة فقط، وأخشى أن يكون هذا إدراجًا من الراوي.
والحضور إلى وليمة العرس واجب إلا أنه يسقط بأسباب، كمشقة حضور، أو عجز، أو ما أشبه ذلك من الموانع المعتبرة، وأيضًا يسقط عنه إذا أذن صاحب الدعوة؛ لأن الحق له.